أسامة عثمان
أسامة عثمان
918

العقل الجهَادي: انحدَارٌ مُتواصل

24/10/2016
أصابني الفضول لتصفح كتاب الدكتور محمد توفيق "النقد الذاتي عند الإسلاميين"، وبما أنّ معرفتي به مُسبقة فتحت مباشرةً المبحث الثالث الذي تناول فيه "انتقادات مرحلة بروز تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)".

قام الكاتب في البداية بتوطئة عامة، وباسترجاعٍ تاريخي، لعلاقة تنظيم الدولة الإسلامية منذ أن كان في العراق بقيادة أبي مُصعب الزرقاوي بتنظيم القاعدة، فركّز على تبين التجاذبات التي تحكم العلاقة بين الطرفين وما آلت إليه من نتائج انعكست على الساحة الجهادية في السنوات الأخيرة.

وممّا ينبغي مُلاحظته هو أنّ العقل الجهادي مُنذ تلك الحقبة إلى اليوم يشكوا سفولاً مُتواصلاً، على جميع المُستويات، حتى على مُستوى القيادة والريادة. فالمُتأمل في تاريخ الصراع يُلاحظ أنّ مشايخ الجهاد رغم نكوصهم على بعضهم قديماً، إلاّ أنّ هدف الجهاد والمصلحة العامّة المُشتركة ووحدة الصف كانت فوق كُل اعتبار وأهم من النزاعات الطرفية.
 
تظل سذاجة العقل الجهادي هي السبب في بلوغ الحضيض، من تناحر داخلي، وفتنةٍ سالت لأجلها أودية من الدماء، ورفض للانصياع إلى أوامر القادة والمؤسسيين من مشايخ الجهاد أهل التجربة.
فالخلافات القائمة بين الزرقاوي وبن لادن عديدة ولكنها بقيت في ظل الكتمان، وتُدار خلسة تحت الطاولة وبعيداً عن الأنظار، كي لا تتفشى القضية وتنشق الصفوف ولسلامة صيرورة الجهاد في كُلٍ من العراق وأفغانستان وسائر أراضي المُسلمين المُغتصبة، ولو لا الوثائق السرية التي كشفت عنها الولايات المُتحدة الأمريكية بعد مقتل أسامة بن لادن في أبريل/نيسان 2011 والتي حصلت عليها من وثائقه الخاصة، لما علمنا أنّ بن لادن كان قد أعرب عن تذمره وعدم ارتياحه تجاه أداء أبي مُصعب الزرقاوي وتنظيمه في العراق، وهذا ما يؤكد شدة تحفظ الطرفين على سرية الخلاف حفاظاً على المصلحة العامّة، وهو ما يزيدنا ثقة في النضج الذي كان يتمتع به أئمة الجهاد آنذاك.

ولكن سرعان ما بدأ منسوب الملاءمة والتوفيق بين الخلافات الطرفية والمصلحة العامّة يتقلص وينخفض مع بزوغ فجر تنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام وتطفله على ساحة القتال بأرض الشام، وفرض نفسه بالقوة وفرض سياسته على باقي الفصائل الجهادية.

ومن ثمّة أصبحت الخلافات تدار على الفضاءات الافتراضية من خلال التسجيلات الصوتية التي تُنشر للعموم على الإنترنت وتُثير جدلاً واسعاً في صفوف أبناء التيار الجهادي، وهذا ما ولّد اضطرابات نفسية وتيهاً فكرياً، إذ أصبح العقل الجهادي بين مطرقة تنظيم الدولة "المُبشِّر بالخلافة الموعودة" وسندان قاعدة الجهاد "الأم والفصائل الموالية لها".

وهذا ما ولّد انفجاراً في المنظومة الجهادية وتصدعاً ذاتياً، إذ أخذ المشهد في الاضمحلال شيئاً فشيئاً، ومن هنا بدأ الجسد الجهادي في الاندثار، فما عدنا نتحدث عن جلب المصالح ودرء المفاسد، وسد الذرائع وحقن الدماء، ووحدة صف الإخوة. بل إن الخطاب الذي هيمن هو التشنيع على المُخالف ورميه بكُل عار والتجني عليه وأصبح دفتر التهم مفتوحاً لكُل معارض مهما كبُر أو صغُر، دون مراعاة لقدر وتاريخ وفضلٍ وعلمٍ.

ولكن تظل سذاجة العقل الجهادي هي السبب في بلوغ الحضيض، من تناحر داخلي، وفتنةٍ سالت لأجلها أودية من الدماء، ورفض للانصياع إلى أوامر القادة والمؤسسيين من مشايخ الجهاد أهل التجربة الزاخرة في الساحة الجهادية والعارفين بملابسات المشهد.

فلو أنّ كُل شابٍ قبل الإقدام على مُبايعة تنظيم الدولة والالتحاق به طرح على نفسه بعض الأسئلة وأجاب عنها بمفرده بتجردٍ لكانت الحال أفضل بلا ريب، ولكن حالة الفوضى العامّة والجنون الجماهيري أعمت أبصارهم، فالجماهير مجنونة بطبيعتها كما يقول غوستوف لوبون.

العقل الجهادي حُكم بنوازع عاطفية، وميولات نفسية جعلت من أفراده يلتحقون بالتنظيم دون معرفة ماهيته وفي جهل بحقيقة خليفته، فبعض الخطابات العاطفية دفعتهم إلى الالتحاق دون هوادة بتنظيم يجهلون من وراءه وهنا يتحدث غوستوف لوبون في سيكولوجيا الجماهير فيقول "إن الجماهير غير ميّالة كثيراً للتأمل.. وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية ولكنها مؤهلة جداً للانخراط في الممارسة والعمل والتنظيم الحالي يجعل قوتها ضخمة جداً".

رغم ما قيل عن العقل الجهادي أنّه بلغ درجة من النضج والرُقي تُخول لأبنائه إعلان الخلافة، إلاّ أنّ الوقائع تُفصِحُ عن العكس تماماً، فالعقل الجهادي مازالت تحكمه دغمائية رهيبة ويشكوا من جفاف فكري وظلامٍ معرفي.
هذا ما أهل تنظيم الدولة لاستقطاب أعداد واسعة من الشبان من كل حدب وصوب، من الغرب نحو الشرق على حد سواء، فلو لا عمى الجماهير ودهاء الطاقم الفنّي للدولة المختص في الاتصال والعمل على الاستقطاب بكل الوسائل المُتاحة لما شاهدنا أفوجاً من الشباب يلتحق دون دراية.

ويبقى السؤال المطروح والذي يتناساه العقل الجهادي كيف تمكن تنظيم الدولة من التغلّب على الحركات الجهادية العتيدة وبث الرعب في قلوبهم مع أنّ بدايته كانت مُتأخرة مقارنة بالفصائل الأخرى؟

بل وممّا ذكر الصحفي الألماني تودنهوفر أنّ تنظيم الدولة مُختلف عن قاعدة الجهاد "تنظيم القاعدة" وعن التيارات الجهادية الأخرى إذ أنّه تمكن وبنجاحٍ باهر من تكوين دولة تتوفر بها كُل المُقومات والشروط والأساسيات المطلوبة من خليفة "سلطة تنفيذية" إلى طاقم وزاري ومستشارين وولاّت، إلى جهاز أمني وعسكري، إلى مجلس شورى "سلطة تشريعية" إلى قضاءٍ "سلطة قضائية" إلى خبراء استراتيجيين.. كُل ما تحتاجه الدولة لتكون دولة موجود في الدولة الإسلامية بالعراق والشام.

ولكن القضية هنا كيف تمكن تنظيم الدولة من تكوين هذا الهيكل الهائل لمنظومة دولةٍ تستجيب للشروط والمُتطلبات الحديثة للدولة المُعاصرة في ظرفٍ وجيز في حين أنّ التنظيمات الأخرى فشلت فشلاً ذريعاً رغم التكرار المُتواصل؟

هذه بعض الأسئلة التي لو طرحها الجهادي على عقله لكانت الحال أفضل. من أين هذه التمويلات؟ ومن وراء هذا التنظيم؟ ومن هي هذه القيادات المشبوهة؟ كيف تمكن تنظيم الدولة من الصعود سريعاً ثم الاضمحلال المفاجئ دون رصد بوادر؟

للأسف يعتري العقل الجهادي جمود غريب، يجعله في تبعية مُتواصلة ومُعطل ومُنطفئ.
وقد نقد أبو أيمن وهو أحد رموز التيار العقل الجهادي بشدة حيثُ بيّن في أحد مقالاته أنّ العقل الجهادي يعتريه جهل مُركب، وتعتري نفسية الجهادي كبر مقيت والتي قال عنها أنّها أخطر الظواهر التي تُهدد المُجتمعات والأمم فضلاً عن الجماعات.

رغم ما قيل عن العقل الجهادي أنّه بلغ درجة من النضج والرُقي تُخول لأبنائه إعلان خلافة المُسلمين وغزو الغرب وإعلاء راية الإسلام، إلاّ أنّ الوقائع تُفصِحُ عن العكس تماماً، فالعقل الجهادي مازال يغط في نومٍ عميق ومازالت تحكمه دغمائية رهيبة ويشكوا من جفاف فكري وظلامٍ معرفي، أمّا ما يُقدم عليه أبناء التيار فإنّ مصدره العاطفة والحماس دون قراءة عميقةٍ لفقه الواقع وضرورات المرحلة اللازمة والموازنة بين المصالح والمفاسد ، بل إن الاتجاه الذي تتجه إليه بوصلة العاطفة هو المسير، أمّا العقل فمنطفئ يغط في نومٍ عميق.

فمتى الاستفاقة الجهادية والصحوة العقلية والفكرية الحقيقية؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة