همام يحيى
همام يحيى
12.5 k

عن الإتيان بطفل إلى العالم

24/10/2016
لطالما فكّر الفلاسفة في الإنجاب بتشاؤمٍ مُثير، فعدا عن أنّ التشاؤم سمة أصيلةٌ في الفلاسفة، يبدو هذا الموضوع بالذات مُثيرا لمزيدٍ من التشاؤم. الفكرة الشّائعة خلف الموضوع ذاتُ وجاهة لا يُمكنُ إنكارُها، فمن يرغبُ في أن يرى طفلا يُستخرَج مُهشّما من تحتُ الرّكام في حلب أو غزّة؟ ومن يرغبُ في أن يرى طفلا تفتكُ به مجاعةٌ في إفريقيا أو مياه ملوّثة بالكوليرا في الهند؟ ومن يرغب في أن يرى طفلا في أمريكا أسقطَ العلاج الكيماويّ شعرَه وأنحلَ جسمَه وأجحظ عينيه وما زال رغم ذلك كلّه ينتظرُ موتَه المحتّم؟ ومن يرغبُ في أن يرى طفلا تتشوّه جثّتَه في انفجارٍ لا يُعرَف مدبّرُه في بغداد؟
 
نُدرك، في الغالب، أنّ أبناءنا ليسوا ذواتِنا، لكنّنا لا نُريدُ لهم أن يكونوا "آخرين" تماما. نريدُ أن يكونوا مثلَ من نحبّ، امتداداتٍ ما لذواتِنا

بل من يرغبُ في أن يرى الأطفال يُعانون أشياء أقلّ من ذلك، كأن يعيشوا طفولتَهم أيتاما أو فقراء، بل أن لا يجدوا تعليما جيّدا يستحقّونَه بسبب فشلِ حكوماتِهم، أو لا يجدوا طعاما صحيّا بسبب فقرِ أهلِهم، أو يمرَ أحدُهم من أمام لعبة فيتعلّقُ بها ولا يستطيعُ والداه إلا أن يحاولا إلهاءَه عنها بشتّى الحِيَل؟، غير أنّي أزعم أنّ الإنجابُ أمرٌ أكثر تعقيدا وأعمقُ غورا من سائر حجج المتشائمين أو دفاع المتفائلين. الإنجاب قضيّة ذاتُ أبعادٍ دينيّة وفلسفيّة وحيويّة وسيكولوجيّة أبعدَ بكثيرٍ من سطحيّة التشاؤم وسذاجة التفاؤل. 


الإنجاب كشكلٍ من انفلاتِ الوجودِ من أيدينا:

نظريّا، يمكنُ لعمليّة الإنجاب أن تحظى بأعلى درجاتِ التحكّم. إذا كان هناك من لا يُريد الإنجابَ بالمطلَق فليس عسيرا عليه تحقيقُ ذلك، ذكرا كان أم أنثى. وسائل تنظيمِ الحمل شائعة ورخيصة، ولا يحتاجُ إنسانُ اليوم لكي يُعطّلَ هذه العمليّة إلا لقرار. نظريّا، يبدو الإنسان قادرا على التحكّم تماما في استمرار نوعِه، لكن بمجرّد غيابِ قرار من هذا النّوع، يُصبحُ الأمر مفتوحا على احتمالاتٍ لا نهاية لَها. يُمكن أن تنجبَ ذكَرا أو أنثى، طفلا صحيحا أو مريضا، بارّا أو عاقّا، منتمِيا لثقافتِك أو منسلخا عنها، فائقَ القدراتِ أو محدودَها. احتمالات لا يمكنُ حتّى البدءُ في حصرِها.
 

لذا، ما يبدو عندَ البوّابة أمرا قابلا للتحكّم الكامل، يُصبحُ بعدَ دخولِها عالَما شاسِعا من الاحتمالات. على الرّغم من أنّ الإنجابَ يبدو أحدَ أكثرِ خبراتِ البشريّة مباشَرةً ووضوحا وفطريّة، إلا أنّه أحدُ أكثرِها، إن لم يكن أكثرَها، انفتاحا على احتمالات لا حصرَ لها.
 

بل لو تأمّلنا الأمر من ناحية جينيّة بيولوجيّة، فهو -حتّى الآن- أحدُ أكثرِ أنشطِتِنا البشريّة استعصاء على التوقّع والحصر، فزوجٌ واحد، أي ذكرٌ وأنثى، قادران نظريّا على إنجابِ ملايين الأطفال المختلفين. التساؤلات البريئة عمّن سيُشبُه الطفل المرتقب، وعمّا إذا كانت ستأخذ لونَ عيني أبيها أم أمّها، وعمّا إذا كان سيكون ذكيّا كأخوالِه أو مجتهِدا كأعمامه، أو صغيرة الأنف كجدّتِها أو كثيفة الشّعر كجدّها.. هذه التساؤلاتُ كلّها تعكسُ شوقا بقدرٍ ما تعكسُ قلقاً، وتُنبئُ عن أمنياتٍ بقدرِ ما تُنبئُ عن مخاوف.
 

الإنجاب كشكلٍ من امتدادِ الذّات، أو تشظّيها:
أحد أشهرِ التقسيماتِ التي هيمنت على العقل البشريّ، تقسيم الوجود إلى ذاتٍ وموضوع، هذا التّقسيمُ ليس حادّا ولا واضحَ المعالمِ تماما، لكنّ حضورَه طاغٍ إلى درجة يصعبُ -ربما يستحيل- معها التملّص منه. الله والآخرون والطبيعة، كلُّهم يُقيمونَ خارجَ الذّات مع أنّ الذّات لا تتشكّل من دونِهم، ومهما حاولتَ الرجوعَ خطوةً إلى الوراء لتتأمّل في ذاتِك، فسيظلُّ جزءٌ من ذاتِك هو الذي يقومُ بهذه الخطوة ويتأمّل، بالتّالي، فهُناك قدرٌ ما من الّذات لا يُمكنُ أن يتحوّل إلى موضوعٍ لها. هذا موضوعٌ مثيرٌ لكنّه ليس موضوعَنا.
 

من أعظمِ ما قامت به السيكولوجيا أنّها تجاوزت هذا التقسيم بطرقٍ مختلفة. أحدُها تمثّلَ في التساؤلِ عمّا إذا كانَ الآخرونَ جميعُهم موضوعاتٍ مستقلّةَ عنّا. هذا ليس صحيحا، على الأقلّ بالنسبة لأمّهاتِنا وآبائنا. أُمّ المرء جزء من ذاتِه في سنواتِه الأولى، بل إنّه لا يُدرِكُ الانفصالَ بينَه وبينَها أوّل الأمر، بل يخوضُ هذا الانفصالَ على سنواتٍ طويلة وبآلام مريرة.
 

وحين نُحبّ، فنحنُ نحاولُ مدّ ذواتِنا، أي نُضيفُ إلى ذاتِنا مساحةً أخرى، تكمّل فيها نقصا، أو تأمن بها من خوف، أو تخفّف بها من غربة عالَم موحِشٍ وقاسٍ. لا يبحثُ النّاس، غالبا، عن حبيب يُناظِرونه فكريّا، أو يُناقشونه فلسفيّا، أو يخوضوا معه حوارا دينيّا، أي لا يبحثُ النّاس عن "آخَر" أو "موضوع" ليحبّوه. يُحبّ النّاس من لا يرونَ فيه آخَرا تماما، ومن لا تحتاجُ ذواتُهم في حضرتِه إلى أن تتسلّح بدفاعاتِها وأقنعتِها وحِجاجاتِها وحيلِها المعتادة حين تواجهُ العالم.
 

يشيعُ القولُ بأنّ حبيبَك هو من تستطيعُ في وجودِه أن تكونَ أنت، لكن يُمكِنُنا أن نرى الأمر من زاوية مُقابِلة تماما، فالحبيب هو من لا تحتاجُ في حضرتِه إلى أن تكون "أنت"، ولا تحتاجُ في وجودِه إلى استحضار "أناك"، بل يمكنُك أنت تكونَ حالة مخفّفة جدّا من ذاتك، بلا أقنِعةٍ ودفاعات وحجج وحيل، حالة من "الخفّة الوجوديّة" التي يمكنُ أن تعيشَها مؤقَّتا بلا تبعات.
 

أين يقع أطفالنا من ذلك كلّه؟ هم كذلكَ امتداداتٌ من ذاتِنا، أو هكذا نتمنّى أن يكونوا على الأقلّ، ونقلقُ جدّا من أن يُصبحوا أغياراً، إلى درجة قد تغرينا بعدم المحاوَلة أصلا. نُدرك، في الغالب، أنّ أبناءنا ليسوا ذواتِنا، لكنّنا لا نُريدُ لهم أن يكونوا "آخرين" تماما. نريدُ أن يكونوا مثلَ من نحبّ، امتداداتٍ ما لذواتِنا.
 

لا أقصدُ هنا رغبتَنا في أن يدرسوا ما لم نتمكّن من دراستِه، ولا أن يجمعوا المالَ الذي عجزنا عن جمعِه، ولا أن يقوموا بثورة فشلنا فيها أو يزيلوا احتلالا لم ننجح في خلعِه، هذه كلُّها مظاهرُ جزئيّة لما أتحدّثُ عنه -وعلى الهامش، يُزعجُني جدّا من يتعاملُ معَها باستخفاف وتعالٍ-، لكنّي هنا أقصدُ معنى أكبر من ذلك، أي رغبتَنا في أن يظلّوا موضعا يُمكنُ لنا أن نشعرَ إزاءه بارتياحٍ وجوديّ، ويمكنُنا فيه أن نتخفّف من حصونِنا وأقنعتِنا ودروعِنا التي نواجهُ بها العالَم، ومن ضمنِه الآخرين.
 

لذا، نحن أسارى هذا القلق المربك: هل سيكونونَ كذلكَ فعلا، أم سيُصبحون جزءا آخرَ من هذا العالم القاسي علينا بطبعِه؟ هل سيكونون امتدادا لذواتِنا؟ أم مزيدا من تشظّيها؟ هل سيوسِّعون ذلكَ الحيّزَ الصغيرَ في الوجود حيثُ يُمكنُنا التخفّف من أثقال ذواتِنا؟ أم سنخلق -تجوّزا- بأنفسِنا حيّزا جديدا، قريبا جدّا منّا هذه المرّة، يُمارِسُ فيه العالمَ هوايتَه في إشعارِنا بالغربة والخوف والقلق؟
 

كلّ والدين يرمُقان طفلَهُما بهذا المزيج المُرهَف من الأمل والقلق، ولدى كلّ منّا قصصٌ كثيرة عن آباء يبذلونَ كلّ ما في نفوسِهم من طاقة ليستنقِذوا ابنا تائها في الحياة، ويتردّدون في ذلك بين إعلان اليأس النهائيّ من عودتِه، ثم اعتناقِ الأمل المطلق في رجوعِه. تمتلئ عيادات المعالجين النفسيّين بآباء أضناهم هذا الصّراع المرير بين عجزِهم عن استنقاذ أبنائهم من الحياة ومن أنفسِهم، وبين عجزِهم عن التبرّؤ منهم وإدارة الظّهر لهم. هذا الصّراعُ المرّ جزءٌ من حيرتِنا المقلقة إزاء الإنجاب.
 

الإنجاب كانتماءٍ لـ"شيء" أكبر:
لا يستطيع أكثر المؤمنين بدينٍ ما المحاججة فلسفيّا عن عقائدهم، ولا يستطيعُ أكثر المفتخرين بقوميّة أو وطنيّة ما أن يقدّموا سببا مُقنِعا لهذا الفخر، لكنّنا دائما بحاجة إلى انتماء واجتماع، إلى الشّعور بأنّنا جزء من شيء أكبرَ منّا. يغلبُ على النّاس، مهما اختلفت أديانُهم وفلسفاتُهم، ومهما كان تصوّرُهم لظهور البشر على هذا الكوكب، شعورُهم بأنّ هناك واجبا ما، أو مسؤوليّة من نوعٍ ما، يجب على جنسِنا البشريّ أن يضطلعَ بها، حتى ولو كانت واجبا تجاه هذا الجنسِ البشريّ نفسِه بلا تبعاتٍ أخرويّة.
 

إذا ما فكّرنا في الإنجاب ولم نقم به فطرةً وعادة، نستسلم لرغبتِنا العميقة في أن نظلّ جزءا من رهان الوجود الخَطِر

عندما تُحاولُ السينما أن تتمثّل نهايات محتمَلة لهذا الكوكب، بالظواهر الطبيعيّة أو اقتراب نيزك عملاق أو بالفيروسات القاتلة أو هجوم الكائنات الفضائية أو ظهور جيوش الـ"زومبي"، فهي غالبا ما تُرجعُ سببَ هذه النّهاية القادِمة إلى البشر، لتقصيرِهم أو جشعِهم أو عدوانيّتِهم، لكنّها تجعلَ الخلاصَ كذلك في يدِ البَشَر.. البشرُ هم المشكلةُ والحلّ في الوقتِ نفسِه. لعلّ هذا يُذكّرُنا بالآية الكريمة "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً، قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ".
 

لذا، فرغمَ شعورِنا العارِم بأنّ أكثرَ الشرور المحدِقة بنا من كسبِ أيدينا، إلا أننا نشعرُ كذلك أنّ حلّها بأيدينا. حوادثُ عرضيّة جدّا كان يُمكنُ أن تحولَ دون إنجاب أكثر البشرِ عظمة، وكذلك أكثرَهم شرّا. أعظم أخيارِ البشريّة وأسوأ فُجّارِها لم يجعلهم كذلكَ لا آباؤهم ولا أمّهاتُهم. ربّما يمكن لأبٍ سيّء أن يُساهم في صناعة مجرم، وربّما يمكن لأمّ سيّئة أن تُساهمَ في إنتاج مُحتال، ويمكن كذلك لأبٍ متميّز أن يُساهمَ في صناعة مُصلِح، ولأمّ صالحةٍ أن تُساهمَ في بناء عالِم. لكنّ إنتاجَ هؤلاء جميعا، أخيارا وأشرارا، يحتاجُ أكثرَ من ذلك، هناك تجربةٌ بشريّة طويلة تتصفّى في الأديان والقوانين والأعراف والتعليم والكتب والوعي الجمعيّ، هذه كلُّها تتضافر لتجعلَنا ما نحنُ عليه. ليسُ قرار أحد البشرَ هو ما جعلَ أفضلَ ما فينا وأسوأه ممكنا وواقعا.
 

بسبب ذلك كلّه، كثيرا ما تنتصرُ رغبتِنا في أن نكون جزءا من هذا الاتّصال التاريخيّ، ونقبلُ المخاطَرة ونُنجِب. ربّما نفكّر في كلّ ما سبق، أو بعضِه، أو لا نفكّر في شيءٍ منه. ربّما ننجبُ لأسبابٍ أكثر بساطة بكثير، نفسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة، يقصرُ المقام عن تعدادِها وتفصيلِها، لكنّنا في أكثرِ الأحيان، إذا ما فكّرنا في الإنجاب ولم نقم به فطرةً وعادة، نستسلم لرغبتِنا العميقة في أن نظلّ جزءا من رهان الوجود الخَطِر، ونرضى، بل نفرح، حين نأتي بطفلٍ إلى العالم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة