نحن بحاجة للفلسفة

28/10/2016

إلى متى تبقى الفلسفة حبيسة ذلك التصور القديم عنها ؟ لماذا كلما سألنا عن حكم الفلسفة يبدأ الشيوخ بسرد فتاوي الغزالي وابن الصلاح؟ أليس الحكم على الشيء فرع من تصوره؟ فلماذا لا يدرس مشايخنا الفلسفة ويفهموا معناها حتى يتصوروها قبل إصدار الأحكام عليها؟ ألم يدرس الغزالي الفلسفة قبل أن يصدر حكمها عليها؟ أم أن مشايخنا يظنون أن الفلسفة بقيت كما هي منذ عهد الكندي إلى الآن؟

ألا يعلمون أن الفلسفة تطورت وأصبح لها تعريفات بعدد الفلاسفة؟ أليس ابن تيمية هو القائل أن الفلسفة بعدد الفلاسفة وأن الفلاسفة تحدثوا في كل شيء، وأننا اذا رددناها بالجملة سنرد الحق أيضاً؟ فلماذا ما زال مشايخنا في مرحلة ما قبل ابن تيمية؟

إذا سألت أي سياسي أومثقف أو أكاديمي سؤالاً بسيطاً في أي شيء لن يتورع عن البدء بسرد كل ما يحفظه من قوالب في هذا الموضوع.

نعم نحن بحاجة الفلسفة، لن أقول أن "الفلسفة هي الحل" كما قال الإسلاميون "الإسلام هو الحل" بل سأكتفي بالقول "نحن بحاجة الفلسفة" فالفلسفة لا تضع الإجابات والحلول بقدر ما تضع الأسئلة وتكشف المعضلات التي بحاجة إلى حلول، لذلك ربما كان الفلاسفة دائماً مطاردون وخائفون فهم لا يكفون عن التشكيك والسؤال في كل ما يظن الناس أنه قد تمت الإجابة عليه، ونحن المسلمين والعرب على اختلاف توجهاتنا وتياراتنا دائماً لدينا الإجابات الجاهزة عن كل مشكلة صغيرة وكبيرة.

فالإسلاميون يرون المشكلة في الابتعاد عن تعاليم الإسلام، والعلمانيون يرونها في دمج الدين مع السياسة، واليساريون يرونها في البرجوازية والرأس مالية العالمية، فجميعنا يحكمنا نفس منطق القوالب والحلول الجاهزة، وإن تطاولت وتفرعت إجاباتهم فإنها تعود لهذه الشعارات، وكلهم فطنون سريعوا البديهة.

إذا سألت أي سياسي أومثقف أو أكاديمي سؤالاً بسيطاً في أي شيء لن يتورع عن البدء بسرد كل ما يحفظه من قوالب في هذا الموضوع، كل شيء تمت الإجابة عليه في مرحلة مبكرة وما عليه إلا زرع أفكاره ونشرها، وستظل المشكلة لديه ليست في الإجابة وإنما في عدم انتشارها وتطبيقها.

أما الإجابة فهي موجودة وجاهزة منذ زمن تحتاج لمن يتبناها فقط ، على سبيل المثال هناك الفكرة التي تقول أن القرآن الكريم حوى كل الإجابات على كل شيء، ما عليك إلا أن تقرأ هذا الكتاب وستجد الإجابة فيه، مع أن عشرون بالمئة من آيات القرآن الكريم تدعو للتفكر والنظر، فكيف يستقيم أن يعطينا الله عز وجل كل الإجابات في كتاب واحد ويحثنا على كل هذا الحث والنظر والتفكر؟

فالنظر والتفكر هدفه أن تبقى متسائلاً ناظراً باحثاً في كل شيء عن الآيات والأدلة في الكون، وهذه هي الفلسفة بمعناها العام، هي النظر والبحث و طرح الأسئلة الصحيحة ونقد الإجابات الجاهزة وحتى نقد الأسئلة الخاطئة ونقد النقد الخاطئ.

لماذا نضع الفلسفة والفكر في صدام مع الدين فنجبر من يريد سلوك هذا الدرب على الوقوف موقف المعادي والرافض للدين؟ لماذا دائماً نسمع عن مفكر أساء للدين أو الذات للإلهية ومتدين ملتحي قتله نصرة للدين؟ كم نموذج من فرج فودة وناهض حتر علينا أن نرى بعد؟ شخصياً أرى أن المشتغلين بالفلسفة في بلداننا أيضاً مشبعون بالقوالب ولديهم منطق مشابه إلى حد كبير بمنطق الذين ذكرتهم في البداية.

لماذا نضع الفلسفة والفكر في صدام مع الدين فنجبر من يريد سلوك هذا الدرب على الوقوف موقف المعادي والرافض للدين؟

ما زلنا نسمعهم يرددون كلاما عفى عليه الدهر وشرب، الحريات والمرأة وهل الله موجود وهل نحن موجودون هنا أصلاً أم نحن مجرد حلم في رأس رجل نائم، وتجد الواحد منهم يؤمن بكل الفلاسفة في آن واحد وكأنهم كلهم منهج واحد.

لكن هذا يعود لضعف الفلسفة والتفكير الفلسفي الصحيح القائم على منهج متسق، لهذا أنا قلت نحن بحاجة للفلسفة ولم أقل أنها لوحدها تكفي؛ بل نحن بحاجة أيضاً إلى منهج السلف المتسق المترابط، وبحاجة إلى علماء الحديث في قراءة تاريخنا بمنهجهم في معرفة ما هو صحيح وما هو موضوع.

ونحن بحاجة لمنطق الفقيه الذي يعرفنا كيف نجلب المصلحة وندرأ المفسدة، نحن بحاجة للعلم والعلماء ومنطقهم التجريبي، والفلسفة هي العلم الذي يمكننا من خلاله تحريك الأفكار وتطويرها ووضعها في مكان المناسب.. يا صديقي لن تنفعك محفوظاتك ولاعلمك ولا تاريخك بلا فكر وفلسفة ومنهج يحركها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة