معتز زاهر
معتز زاهر
5.3 k

فلسفة التعليم المنزلي

19/11/2016

التعليم المنزلي ما أن يُسمع به إلا وتتبادر إلى الذهن أسئلة كثيرة في طياتها الإعجاب والذهول، من قبيل: هل معنى هذا أن ابني لن يذهب إلى المدرسة؟! وكيف سيحصل ابني على الشهادة إذا علمته في البيت؟! كيف هذا والتعليم المنزلي سيجعل ابني انعزاليًّا وليس له أصدقاء وغير اجتماعي؟! ومن أين سأحصل على الوقت الكافي لتعليم ابني رغم ما عندي من انشغالات ومسئوليات؟! وما هي الكتب التي سأستخدمها لتعليمه؟! هناك أشياء لا أجيدها وكنت سيئا فيها في المدرسة فكيف سأعلمها لابني؟
 

بداية فإن هذه المخاوف وتلك الأسئلة الكثيرة التي تتزاحم في عقل الأب والأم، هي مخاوف طبيعية لأنها تتعلق بأبنائنا الذين هم أعز من نملك، ونود أن نبين في البداية أننا لا نقول بأن النظام التعليمي المَدرسي التقليدي سيء بنسبة مائة بالمائة، ولكننا نرى أنه نظام لا يخلو من إفادة وأن كثيرًا من العلماء والأدباء وغيرهم قد تخرجوا في المدارس التقليدية.
 

إن الطفل عندما يشعر أنك أستاذه ومعلمه وصديقه، ستزيد عنده محبة الاطلاع والمعرفة، لأنه لن يستحي ولن يتردد أبدًا أن يسألك أي سؤال يأتي في مخيلته في أي وقت.

ولكننا نرى بإيجاز أن التعليم المنزلي أفضل بكثير من التعليم المَدرسي التقليدي القديم، وسنوضح لماذا توصلنا إلى هذا الرأي، مع العلم أن هذا ليس رأيًا فرديًّا؛ بل مئات الآلاف من الأسر حول العالم يمارسون التعليم المنزلي منذ عشرات السنين وكل يوم يزيد عدد المنضوين تحت لواء هذا النظام، حتى في الدول ذات النظام التعليمي المتطور.
 

إذن لماذا التعليم المنزلي؟
قبل الإجابة عن هذا السؤال أحب أن أؤكد أن التعليم المنزلي لا يعني أن تُمسك بكتاب وتدرس لابنك عدة ساعات في البيت وانتهى الأمر عند ذلك، بل إن المدرسة حينها أفضل لو أن هذا فقط هو تصورك عن التعليم المنزلي! التعليم المنزلي هو نظام شامل ومتعدد الأساليب، يعتمد على المرونة الهائلة والإبداع والابتكار في تعليم الطفل، ولا يرتبط بالمنزل فقط، لذلك يحسن للبعض تسميته بالتعليم المرن، وهو اسم رائع ومعبر جدًّا.
 

هو نظام يُبنى على الصداقة بينك وبين ابنك، وهو الأمر الذي يفتقده الطفل الذي ينخرط في النظام المَدرسي التقليدي، ذلك الطفل الذي يذهب من السادسة أو السابعة صباحًا إلى المدرسة ولا يرجع إلا الرابعة أو الخامسة مساءً، فمتى سيكون صديقًا لك؟ متى وهو لا يراك أصلًا إلا بعض الوقت قبل أن ينام؟ وفي هذا الوقت تكون طاقته قد انتهت بالفعل، بما فيها الطاقة العقلية والشعورية والبدنية، فكيف تنتظر منه أن يعاملك كصديق؟ كيف تنتظر منه أن يبوح لك بكل شيء؟
 

فالتعليم المنزلي أو المرن يجعل العملية التعليمية مليئة بالصداقة العميقة بينك وبين طفلك، ويُشعِر الطفل أنك رفيقه في طريق التعلم والمعرفة، ويلاحظ حتمًا كيف تبذل مالك ووقتك وجهدك كي تعلمه وتربيه تعليمًا وتربية بأعلى مستوى تستطيعه، مما يولّد عنده الشعور بالتقدير والحب والصداقة والإجلال.
 

وعندها سيكون أصدقاء الطفل هم الاستثناء وأنت الأصل، ليس كالتعليم التقليدي الذي لا يراك فيه إلا لمامًا، فحينها سيكون أصدقاؤه هم الأصل وأنت الفرع، فهو يقضي معهم كل يوم وقتًا أكثر من الذي يقضيه معك، ولا يرى فيك الصديق البتة؛ بل يرى فقط الصورة التقليدية للأب أو الأم.
 

إن الطفل عندما يشعر أنك أستاذه ومعلمه وصديقه، ستزيد عنده محبة الاطلاع والمعرفة، لأنه لن يستحي ولن يتردد أبدًا أن يسألك أي سؤال يأتي في مخيلته في أي وقت، والسؤال هو الباب الرئيسي والأول لتحصيل العلم والمعرفة، لأن الطفل يفكر ويتدبر فيما حوله فترِد على ذهنه أسئلة كثيرة جدًّا، وبالطبع الوالد هو الشخص الوحيد الأكثر حرصًا على إفادة ابنه وتعليمه ولن يبخل عليه بإشباع نهمه.
 

هذه الأسئلة الطفولية مهما حاول المدرس في الفصل المدرسي فلن يستطيع أن يجيبه عنها، لأن المدرس لديه منهج صارم محدد لابد أن ينتهي منه في وقت ضيق، ولا وقت للأسئلة التي يزعم المدرس كثيرًا أنها خارج الموضوع! فهو لديه درس قد أعدّه ولابد أن يلقيه على مسامع الأطفال قبل أن ينتهي وقت الحصة! وإن لم يفعل هذا فسيؤثر على وظيفته! وإذا فتح الباب للسؤال الحر لهذا العدد من الأطفال الذي يصل أحيانًا إلى ثلاثين طالبًا فلن يشرح ولو كلمة من الدرس المقدس! فماذا يفعل الطفل؟ لا يجد المسكين إلا أن يتناسى سؤاله، ومع تكرار هذا مرة بعد مرة يفقد عقله الكثير من الأسئلة وبالتالي يفقد الكثير من العلم الذي يكون في أجوبة هذه الأسئلة.
 

التعليم المنزلي: نظام تعليمي يركز على تحصيل الكفاءة وليس تحصيل الدرجات، على تحصيل الفهم العميق لا الحفظ السطحي، على اعتبار طلب العلم نظام حياة لا إلزام جامد متعسف مؤقت.

وهذا ما نعنيه بأن التعليم المنزلي مبني على المرونة، فهي عملية تعليمية ديناميكية وانسيابية ومستمرة، وبالتالي لن نهرب من النظام الجامد المتعسف في المدرسة التقليدية إلى نظام جامد متعسف لكن في البيت، لذلك التعليم المنزلي الذي بمعنى نقل نظام المدرسة إلى البيت هذا نظام آخر فاشل ليس أكثر، وعندها ستكون المدرسة أفضل بما لديها من احتراف في ممارسة هذا الجمود!
 

التعليم المنزلي المقصود هو التعليم المبني على المرونة والابتكار في طرق التربية والتعليم، بداية من مكان إلقاء الدرس التي من الممكن أن تكون اليوم في البيت وغدًا في المكتبة وبعد غد في إحدى الحدائق وهكذا، مرورًا بطريقة إلقاء الدرس إما عن طريق السؤال والجواب، أو عن طريق مشاهدة فيديو وثائقي أو تعليمي، أو بالرسم والتلوين، أو بزيارة مصنع أو متحف أو معمل ما، وغير ذلك من صور المرونة.
 

فهو نظام تعليمي يركز على تحصيل الكفاءة وليس تحصيل الدرجات، على تحصيل الفهم العميق لا الحفظ السطحي، على اعتبار طلب العلم نظام حياة لا إلزام جامد متعسف مؤقت. هذه هي فلسفة التعليم المنزلي بإيجاز، مع التأكيد على أن كل ما يتساءل عنه الآباء من صعوبات كالتي صدرنا بها هذا المقال وغيرها هي أسئلة توضع في الاعتبار، مع التأكيد أن لها أجوبة تشرح كيفية التغلب عليها، وهذا ما سنجيب عنه في مقال قادم إن شاء الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة