محمد حجاج
محمد حجاج
1.3 k

من أين نأتي برياضيات جديدة؟

21/11/2016

الآلية التي تتطور بها العلوم الطبيعية سهلة الوصف والفهم إلى حد كبير، وهي ما نُطلق عليه في العادة اسم "المنهج العلمي".

 

المنهج العلمي المُستخدم في العلوم الطبيعية هو حلقة مُتصلة تبدأ بمُلاحظة، فسؤال، ففرضية تُجيب عن السؤال، فتجربة لاختبار مدى مُطابقة الفرضية مع الواقع، ثُم تحليل للنتائج من أجل الوصول لقرار بشأن الفرضية، سواء بالقبول أو الرفض.

 

لكن ماذا عن الرياضيات؟ ما هي الآلية التي تتطور من خلالها المعرفة الرياضية؟

 

على عكس العلوم الطبيعية، ليس هُناك اتفاق حول طبيعة الرياضيات. هل نبتكر الرياضيات أم نكتشفها؟ هل للرياضيات طبيعة مُنفصلة عن الواقع، أم أنها جُزء منه؟ هل تعبر الرياضيات عن كيانات حقيقة أم كيانات افتراضية؟ اختلاف الآراء حول هذه الأسئلة أدى إلى نشوء مدارس رياضية لكل منها أسلوب وتعريف مُختلف للرياضيات.

 

في كثير من الحالات، طريقة الحساب لا ترتبط بما تقوم بحسابه. هذا يعني أن معرفتك لطريقة الحساب وحدها (القوانين) قد لا تُخبرك أي شيء على الإطلاق عما تقوم بحسابه (الأفكار والمفاهيم)

على الرغم من ذلك، لا يزال بإمكاننا القول أن الآلية التي تُخلق بها رياضيات جديدة ثابتة إلى حد كبير. بصُورة تقريبية، يُمكننا وصف العملية كالتالي:

1- الإتيان بمجموعة جديدة من المفاهيم والأفكار المُجردة
2- بناء إطار رياضي حول تلك المفاهيم؛ وذلك بوضع صياغات أكثر دقة للأفكار، وضع تعريفات جديدة، ثُم ترميز كُل شيء بلُغة رياضية.
3- ابتكار طُرق حسابية ميكانيكة تعمل داخل هذا الإطار
4- إيجاد تطبيقات

 

للأسف، الطريقة التي تُدرس بها الرياضيات في أغلب الأحيان تقتصر على النصف الثاني فقط؛ مجموعة من الطُرق الميكانيكية التي تُستخدم في تطبيقات "محفوظة". هذا هو الجانب الآلي من الرياضيات، والذي نتعامل فيه معها على أنها أداة تُستخدم "كما هي" بدون تفسير.

 

ليس من المُستغرب إذًا أن يُنظر للرياضيات على أنها صعبة ومُملة، أو أن يجد الفرد استحالة في تعميم المعرفة الرياضية على حالات جديدة. الجانب الذي يتم إسقاطه في العادة أثناء تدريس الرياضيات هو في الحقيقة ذلك الجانب الذي يحتوي على كُل المُتعة المُرتبطة بتعلم وفهم الرياضيات.

 

إذا كُنت ترغب في تعلم الرياضيات بالفعل، عليك القيام بالأمر بالترتيب الصحيح.

 

الرياضيات لا تُصنع من الهواء. هُناك دائمًا نُقطة بداية، والتي قد تكون فكرة أو مفهوم مستوحى من مُشاهدات مادية أو تأملات عقلية مُجردة (أو حتى من مُعتقدات دينية ـ دراسة Georg Cantor للمالانهاية هي مثال على هذا الأمر). دراسة وفهم هذه الأفكار والمفاهيم كنُقطة بداية هي المُفتاح الرئيسي لفهم الرياضيات. أي نوع من الرياضيات، مهما بلغت درجة تعقيده.

 

نفس الأفكار قد ترد على أي عقل، ولكن الفرق هو أن الرياضي ينتقل بتلك الأفكار للمُستوى التالي. اللُغة البشرية غير دقيقة ومبهمة في كثير من الأحيان، ولهذا فهي لا تصلح لوصف الأفكار الرياضية بدون الكثير من التهذيب. الأفكار الرياضية يجب أن تكون مُطلقة التحديد ولا تحتمل أي لبس. بمعنى، كُل كلمة يجب أن تُشير إلى معنى واحد، وواحد فقط. هذا هو الغرض من وضع التعريفات وصياغة الأفكار الرياضية بلغة رسمية. هذه الأفكار والتعريفات لا يُمكنها أن تحيا في الفراغ؛ وإنما داخل كون أو إطار رياضي ما.

 

لكل كون رياضي لُغتة -الرموز الرياضية- الخاصة به. عند توطين مجموعة من الأفكار والمفاهيم في كون رياضي ما، لابُد أولاً من ترجمتها إلى اللُغة المُستخدمة في هذا الكون. هذا يعني أنه من الممكن لنفس المفهوم الرياضي أن يمتلك عدة صياغات رمزية مُختلفة، وذلك وفقًا للكون الرياضي الذي يتم توطينه فيه. الآن نحن نعلم لِمَ أن الصورة الذهنية المُرتبطة بالرياضيات -مجموعة من الرموز الغريبة- غير دقيقة. الرياضيات ليست الرموز، وإنما المفاهيم والأفكار التي تحتويها تلك الرموز. الرموز هي وسيلة للتعبير عن الرياضيات، ولكنها ليست الرياضيات.

 

ماذا عن الحسابات التي نقوم بها باستخدام تلك الرموز؟ ما الذي نعنيه أصلًا بقولنا أننا نقوم "بحساب" شيء ما؟

 

لكُل كون رياضي مجموعة من القوانين التي تُحدد معيار"الصواب والخطأ" بداخله. إذا اتبعنا تلك القوانين بصُورة آلية، يُمكننا ضمان أننا سنحصل دائمًا على الإجابة الصحيحة عن أي سؤال يُمكننا طرحه باستخدام اللُغة المُستخدمة في هذا الكون. الاتباع الآلي للقوانين هو ما نُطلق عليه القيام بالحساب، وهذه هي المرحلة التي يبدأ عندها تدريس الرياضيات في العادة، للأسف.

 

في كثير من الحالات، طريقة الحساب لا ترتبط بما تقوم بحسابه. هذا يعني أن معرفتك لطريقة الحساب وحدها (القوانين) قد لا تُخبرك أي شيء على الإطلاق عما تقوم بحسابه (الأفكار والمفاهيم)، وبالتالي لن تتمكن من فهمه أبدًا.

 

لُغة المصفوفات هي مثال جيّد على هذا الأمر. عن طريق المصفوفات يُمكنك حل المُعادلات الجبرية ونوع معين من المُعادلات التفاضلية، وبنفس الطريقة بالضبط. هُما قطعًا ليسا نفس الشيء، فما الفرق بينهما؟ في حين أن قوانين المصفوفات يُمكنها أن تدلك على الخطوات اللازمة للوصول للحل الصحيح، هي لن تُخبرك أبدًا عن الفرق بينهما، ولا حتى عن معنى الحلول التي ستصل إليها!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة