عصام القيسي
عصام القيسي
2.3 k

السلفية ما هي؟

29/11/2016
السلفية ليست مذهبا إسلاميا كما تصور مشائخها، ولا مرحلة زمنية مباركة كما قال الشيخ البوطي. السلفية نموذج للإدراك ورؤية للوجود. تماما مثل الرؤى الكلاسيكية والرومانسية والواقعية كما يعرفها نقاد الأدب، بل هي الرؤية الكلاسيكية نفسها التي تميل إلى تثبيت القيم السائدة وعدم تجاوزها والنظر إليها بوصفها قيما "معيارية" يقاس إليها الصواب والخطأ والحسن والقبيح.
 

وتتسم الرؤية السلفية بكونها رؤية استاتيكية "ثباتية" لا ديناميكية "حركية"، يرى صاحبها الوجود في هيئة صور فوتوغرافية ثابتة لا في هيئة صور سينمائية متحركة. أي أن هذه الرؤية تسقط من لإدراكها عامل الزمن في التأثير إلى حد ما. ويترتب على ذلك إسقاط هذا العامل من النموذج التحليلي بعد إسقاطه من النموذج الإدراكي. والماضي في هذه الرؤية هو صورة الزمن الثابتة والمعيارية التي ينبغي أن يقاس عليها. ومن ثم فإن الابتعاد عن نقطة الماضي هو ابتعاد عن المثال السامي إلى النقص، ابتعاد عن الحقيقة والجمال إلى الضلال والقبح، ابتعاد عن نقطة الضوء إلى الظلام. تماما كما تقول نظرية المحاكاة عند أفلاطون.


فالعالم الحقيقي عند أفلاطون هو عالم المثل الذي يتسم بالكمال، وما العالم الحسي إلا محاكاة ناقصة لعالم المثل الموجود في مكان ما. أما الفن فهو محاكاة للعالم الحسي، أي محاكاة للمحاكاة، ولهذا تتضاءل قيمته عند أفلاطون لأنه يبتعد عن الحقيقة خطوتين. وعلى الأرجح فإن أفلاطون هو نبي هذه الرؤية الحقيقي. الثبات إذن "قيمة" عليا في العقل السلفي، ومن ثم فلا بد أن يكون التغير شكلا من أشكال الفساد عند هذا العقل. وهذا هو سرّ توجسه من المستقبل، واعتبار المستقبل بيتاً للضلال والانحراف، إذ ليس بالإمكان أحسن مما كان!
 

القول إن الأحكام بعللها لا بمقاصدها يجعل الأحكام أكثر ثباتاً، لأن عللها مذكورة نصاً في المدونة الدينية. أما لو كانت بمقاصدها فإن الأحكام لا شك ستختلف من زمن إلى آخر ومن حالة إلى أخرى

هذه الرؤية بطبيعة الحال تتعارض مع الحقيقة الأولى في العالم، الحقيقة الفيزيائية التي تقول إن الحركة هي الأصل وليس الثبات. وهي الحقيقة التي أكدها القرآن أيضا حين تحدث عن حدوث العالم ونهايته، وعن حركة الأفلاك والكائنات. وغياب هذه الحقيقة عن العقل السلفي هي التي تدفعه لطرح سؤال التقدم بدلا من سؤال التخلف، عند مناقشته لمشكلة تخلف المسلمين مثلا. فهو يتساءل عن أسباب تقدم العدو لا عن أسباب تخلفه هو، مع أن العكس هو الصحيح، لأن الحركة هي الأصل والثبات هو الاستثناء، ومن ثم فإن التقدم هو الأصل والتخلف هو الاستثناء الذي يحتاج إلى سؤال. وطرح سؤال التقدم على حساب سؤال التخلف يصرف النظر عن عناصر الضعف الذاتي إلى عناصر القوة الخارجية، وهي وسيلة العقل السلفي في إبعاد التراث عن الفعالية النقدية بهدف حمايته.
 

والرؤية السلفية بهذا الفهم ليست مقصورة على صنف من المؤمنين بالأديان، فهي رؤية عامة قد يشاركها حتى الملحدون. إلا أن مخاطرها تصبح كارثية في مجال الدين، لأن العقل السلفي حين يعمد إلى إسقاط الرؤية الديناميكية من إدراكه وتحليله للظاهرة الدينية، فإنما يوقع الدين نفسه في لبس كبير. فالدين الذي لا يتسق مع حقائق الوجود لا يصلح لتفسيره. والحقيقة الفيزيائية الأولى التي ينبغي للدين أن يتسق معها هي الحركة كما أسلفنا. وهي الحقيقة التي اعترف بتأثيرها القرآن في مثل قوله "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا" التوبة.
 

إن اختلاف الشرائع باختلاف الأزمنة والأمم هو اعتراف بتأثير الزمن وفاعليته في تغيير الأحكام. ومع أن هذه الأخيرة تعد مسلمة فقهية عند فقهاء الشريعة الإسلامية، إلا أنها لم تأخذ مداها عندهم بحيث تصبح رؤية شاملة يتم بواسطتها تفسير الأحكام القرآنية مثلاً. بدليل أن النظرية التي سادت في تفسير الأحكام هي نظرية العلل لا نظرية المقاصد، فالأحكام بعللها لا بمقاصدها.
 

والقول إن الأحكام بعللها لا بمقاصدها يجعل الأحكام أكثر ثباتاً، لأن عللها مذكورة نصاً في المدونة الدينية. أما لو كانت بمقاصدها فإن الأحكام لا شك ستختلف من زمن إلى آخر ومن حالة إلى أخرى بما يحقق مقاصدها. إن أخطر ما يشوش على الدين في هذه الرؤية هو اعتقاد العقل السلفي المتدين بأن الله لا يقيم وزناً في الدين لعامل الزمن، وذلك مصدر الخلل في تفسير العقل السلفي للظاهرة الدينة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة