فيصل عادل
فيصل عادل
1.4 k

جولة في العصور الوسطى

14/8/2016

هناك احتفاء ملحوظ في إعلامنا المصري بالعاصمة الإدارية الجديدة، والمشاريع العملاقة الجالبة للخيرات، والاطمئنان إلى أننا وضعنا أرجلنا على أول درجة في سلم الارتقاء والتطوير، ولكن هل يمكن مع تلك المشاعر أن يتناسوا جزءا أصيلا من المكون الشعبي الذي يعيش حياة العصور الوسطى في صعيد مصر؟

 

سأحدثكم عن أحد الأشخاص من قاطني تلك القرى، من الممكن أنه لم يحالفك الحظ في يوم أن تقرأ أو تسمع عنهم، فهم لا ينتظرون من أحد أن ينظر إليهم بعين شفقة أو رحمة على قدر احتياجهم إلى أن يعلم الناس بوجودهم في تلك الحياة.

 

انتشار القمامة يجعلك تظن أنها مكون رئيسي من مكونات الحياة على تلك الأرض

دقت عقارب الساعة الـ12 ظهرا معلنة بدء وقت الاستراحة، يتجمع العمال ليحتسوا أكواب الشاي ويتناولوا بعضا من شطائر الفول أو "الطعمية"، مما قد يشد من عزمهم على استكمال العمل، بينما يقف محمد سعيد الإدفاوي بجسد نحيل وعينين جاحظتين وملامح الشيخوخة التي دقت أبواب عمره، يرتدي ثيابا بالية قد خصصها للعمل، يحتسي كوبا من الشاي ويدخن سيجارة وبعد أن ينتهي سيحين وقت العودة مرة أخرى للعمل.

 

بالطبع عمل المحاجر شيء قاس، لكن الأشد قسوة منها قلوب ونفوس ماتت قبل أجلها، هكذا قال وهو يشير إلى أحد الصخور الضخمة المستقرة خلفه. بالطبع "أكل العيش" صعب في تلك الأيام، ولكن أن تكون مسؤولا عن أسرة فهذا أمر يزيد من المشقة إذا كنت عاملا يوميا (ارزقي)، فنواقيس الخطر دائما تدق مع كل خطوة يخطوها، وكثيرا ما قرعت لهم النواقيس، أجبر على العمل بالمحاجر مثله مثل الكثيرين ممن هم في سنه أو أصغر بعد أن ضاقت بهم السبل فذهب يبحث عن الرزق في الصخر. 

 

يغدو عائدا إلى منزله الكائن في قرية فارس بمحافظة أسوان، وقد تظن لوهلة أنك داخل أستوديو سينمائي يصور فيلما عن العصور الوسطى، لكن سرعان ما تكتشف أن كل ما تراه حقيقة، ركام من الفساد والإهمال والتقصير وغيرها من أمراض مجتمعنا هي العامل الرئيسي في تلك المأساة.

 

بيوت من دون أسقف، مياه على بضعة أمتار منك لكن لا تستطيع أن تشرب منها، انتشار القمامة يجعلك تظن أنها مكون رئيسي من مكونات الحياة على تلك الأرض.

 

ومع غروب الشمس يرتدي جلبابا من الصوف، ويحمل على كتفه حلوى "سكر الجلاب" الذي تعده زوجته كل يوم، فيخرج بها إلى قطار الدرجة الثالثة الذي حدد له السادسة مساء موعد وصول، لكنه لا يأتي أبدا في موعده مثل كل شيء في بلادنا.

 

تشير قرى الصعيد بإصبع الاتهام إلى المسؤولين عن تلك الجرائم في حق الوطن والإنسانية

يركب القطار ومن ثم يظل يبحث فيه عن مشتر للحلوى، ينادي بصوته الجهوري معلنا عن وصوله، ويظل هكذا ذهابا وإيابا داخل عربات القطار حتى يفرغ القفص، فيعود إلى بيته بعد يوم طويل شاق يتساوى فيه احتياجه للنوم والراحة مع باقي احتياجاته الإنسانية الأخرى.

 

كل يوم يمر على سكان قرية فارس مسجونين في سراديب الفساد والظلم والتهميش سيكون شاهدا لهم وليس عليهم، حياة محمد سعيد الإدفاوي وغيره الآلاف من قاطني مدن وقرى الصعيد تتشابه في المسببات والنتائج، وتتشابك مأساة كل منهم فتشير بإصبع الاتهام إلى المسؤولين عن تلك الجرائم في حق الوطن والإنسانية.

 

وتبقى قرية فارس ومحمد سعيد كما هما، يذهب كل صباح إلى عمله في المحجر ويعود لبيع الحلوى، وسيبقى أهلها في غياهب النسيان كلما بقيت مظاهر الفساد مرتبطة ببلادنا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة