هديل شقير
هديل شقير
4.5 k

درس في الخطاب السياسي

20/8/2016


الخطابُ السياسي وسيلةٌ لمواصلةِ السيطرةِ على السلطةِ وتملُّكِها في الصراعِ السياسي، فهو خطابٌ مرتبطٌ بالسلطةِ على الدوام، تلجأ إليه القوى السياسية للوصولِ إلى مراكز القرار.
 

ولِيُحقِق غايتَه يجب أن يكون الخطاب السياسي إقناعيّ بامتياز، ليوصلَ المُخاطَب إلى برِّ القبولِ والتسليمِ بالصدقيةِ والإيمانِ بالشرعية، فتتعاون الوسائل اللغوية والمنطقية جنباً إلى جنبِ مكوناتٍ تعبيريةٍ أخرى كالصورةِ والموسيقى ولغةِ الجسد.
 

هناكَ لمعةٌ أشعلَت عيونَ الشعبِ الأميركي الذي استمعَ إلى خطابِ الرئيسِ الأميركي باراك أوباما وهو يعلنُ في فيلادلفيا دعمَه المرشحةِ للرئاسةِ الأميركية هيلاري كلينتون، فيصفّقون ويبتهجون وتزداد تلك اللمعة ألَقاً؛ لأنهم يدركون أنَهم أصحاب القرار والتغيير ويرون مستقبلَ وطنِهم يأخذُ منحى إرادتِهم.
 

يعترفُ أوباما بأنّه لم يكن هناك أحد أكثر تأهيلاً من هيلاري، لا هو نفسه ولا حتى بيل كلينتون زوجها، فنجدُ زوجها يقفُ إجلالاً مصفقاً مبتهجاً مُعترفاً بقوةِ زوجته؛ لأنهما متكافئيْن لا يسحقُ أحدهما الآخر خوفاً من سطوعِ نجمه.
 

يضعُ أوباما ثِقَلَهُ في ظهر هيلاري ويذكّر بأنها كانت منافسته قبل ثماني سنوات، فهي ابنة حزبه والأوْلى بدعمه؛ لأنه يدرك أنّ لفترةِ رئاستِه نهاية، فلا كرسي يتشبّثُ به ولا عسكر يستخدمهم لقتلِ الشعب.

الخطاب السياسي وخصائصه ومنابع قوته غيرُ واردٍ ضمنَ "كاتالوج" الثبات في السلطة في الوطن العربي

بكلماتِه المؤثرة يستذكرُ أوباما فترةَ ولايته، فيرفعُ له الحضور لافتات الشكر، بل ويبكون؛ لأنه ذكَّرهم بأنّهم القوة وأنّهم سيصنعون المستقبل، معترفاً بأنه لم يصلح كل شيء، ولكنه سيستمر.
 

بكلِّ هذه التفاصيل ملأ الرئيسُ الأميركي زوايا خطابه، زاويةً زاوية، لم يغفل عن واحدةٍ من خصائص الخطابِ السياسي؛ تلوّن بين مدح سياسةِ تدبيرِ الشأنِ العام ونقد أفكار المرشّح المنافس لكلينتون دونالد ترامب، ودافع عن البرامجَ السياسية التي طبَّقها أثناء فترة ولايته، وقدّم روحَ التفاؤل والثقةِ بالمستقبل.
 

كل هذا ضمنَ سياقٍ متماسكٍ مستَمَدٍ من أيديولوجيةٍ ثابتةٍ وبلغةٍ آمرةٍ ومذكِّرةٍ بالإيجابيات، وأطال الحديث مؤكداً أفكارا تصبُّ في بوتقةٍ واحدة.
 

كل ما سبق هو النموذج الأوضح لما يجب أن يكون عليه الخطاب السياسي، لكن السؤال المُستفزّ: كيف ينتجُ عن ضعفِ الخطاب السياسي العربي ثباتٌ في المناصب السياسية؟ ليظهر الجواب الأكثر استفزازاً بالحديث عن العالم العربي يختلُّ المنطق في العملية السياسية، لتدرك أنّ ما سبقَ ذكرُه من تعريفٍ للخطاب السياسي وخصائصه ومنابع قوته غيرُ واردٍ ضمنَ "كاتالوج" الثبات في السلطة في الوطن العربي.
 

ضعوا كل شيء جانباً، تكرهون الولايات المتحدة الأميركية أو تحبونها لا يهمّ، تابعوا بموضوعية؛ ستجدون تألُّقَ الخطابِ السياسي في خطابِ أوباما بأبهى صفاتِه وأرقى دروسِه.
 

"خطاب القوة والحب" أسمّيه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة