علي أنوزلا
علي أنوزلا
2.9 k

الأوروبيون تعلموا الاستحمام من العرب !

31/8/2016

انشغلت فرنسا طيلة هذا الصيف وشغلت معها العالم بقضية تافهة اسمها "البوركيني"، أي لباس السباحة الخاص بالنساء.
 

والكلمة من اختراع الإعلام الفرنسي لوصف نوع من لباس السباحة تختاره بعض النساء المسلمات في الأماكن العامة، وهي كلمة مشتقة من تركيب كلمتي "البيكيني" (ثوب سباحة السيدات) و"البوركا" أي "البرقع".
 

من إيجابيات النقاش حول البوركيني وضع وضع فرنسا بكل أطيافها الفكرية، أمام تناقض كبير مع مبادئها وأفكارها القائمة على قيمة الحري

وطيلة فصل الصيف "ضيعت فرنسا اللبن" ،كما يقول المثل العربي، في مطاردة نساء "البوركيني" على شواطئها وفي مسابحها العمومية، وألهت الناس بنقاشات هامشية اتضح فيما بعد أن الهدف منها هو صرف الناس عن التفكير والنقاش في المواضيع المهمة التي تخص أمن وعيش الشعب الفرنسي.
 

لكن إذا كان لهذا "النقاش" من إيجابيات فإنه وضع فرنسا بكل أطيافها الفكرية، أمام تناقض كبير مع مبادئها وأفكارها القائمة على قيمة أساسية ألا وهي قيمة الحرية. فما كشف عنه هذا النقاش هو أن هامش الحرية يتقلص كلما تعلق الأمر بالآخر، خاصة إذا كان هذا الآخر من مرجعية فكرية وإيديولوجية تختلف عن فكر وقناعة الفرنسيين الغربيين.
 

كما ساهم هذا النقاش في فضح تناقض الغرب مع نفسه، فقد كشفت أولئك الذين انبروا للرد على منتقدي "البوركيني"، أن هذا النوع من لباس السباحة أو ما يشبهه كانت تلبسه النساء الغربيات حتى بدايات القرن الماضي، وانتشرت عبر المواقع الاجتماعية صور تعود إلى بداية القرن الذي مضى لنساء ورجال غربيين أوروبيين وأمريكيين على الشواطئ بلباس يغطي كل أجساد النساء، ويغطي صدور الرجال، فحتى بداية القرن الماضي كانت النساء والرجال في الغرب على حد سواء يخجلون من تعرية أجسادهم في الأماكن العامة، بل وقامت بلديات بعض المدن الإيطالية الساحلية بتغريم النساء اللواتي كن يرتدين "البيكيني" أي لباس السباحة من قطعتين.
 

لكن أهم ما كشف عنه هذا النقاش، هو وجود قضاء مستقل في الدول الغربية قادر على التدخل في الوقت المناسب للحسم وإرجاع الأمور إلى نصابها، وهذه هي إحدى أهم نقاط قوة الأنظمة الديمقراطية القادر على القيام بتصحيح نفسها متى حدث انزياح أو خلل ما.
 

وهذا ما أكده حكم القضاء الفرنسي الذي علق قرارات البلديات الفرنسية التي بادرت إلى منع ارتداء "البوركيني". الأمر الثاني المهم هو وجود هامش من حرية التعبير يسمح لأصوات العقل أن ترتفع للتنديد والاعتراض والنقد والفضح، وقد لعبت الصحافة الأمريكية بالخصوص في هذه القضية دورا مهما من خلال المقالات والتحقيقات التي نشرتها تندد بإجراءات بعض البلديات الفرنسية حظر ارتداء "البوركيني".
 

وفي عز "الحملة" الإعلامية التي مازالت محتدمة ضد "البوريكيني"، وعلى هامش نقاش جانبي جمعني مع صحافي أمريكي حول نفس الموضوع، لفت انتباهي إلى نقطة مضيئة في تاريخ العرب تتعلق بعلاقتهم مع الماء، عندما قال لي بأن الأوروبيين إنما تعلموا ثقافة الاستحمام من العرب.
 

ومن خلال بحث سريع سيجد الباحث إلى أي حد أن كلام الصحفي الأمريكي صحيح. فعادات الاستحمام في أوروبا لم تنتشر إلا ابتداء من القرن الثاني عشر والثالث عشر ، وذلك لسببين: الأول بسبب نصائح الأطباء الذين كانوا يقولون بأن الاستحمام مفيد للصحة، والعامل الثاني ولعله الأكثر تأثيرا هو عودة الأوروبيين من الحروب الصليبية التي مكنتهم من اكتشاف ثقافة الاستحمام عند العرب والمسلمين عامة. فالأوربيين الذين شاركوا في تلك الحروب وقادتهم إلى بلاد فلسطين والشام بهرهم عدد الحمامات الموجود فيها، وليس هذا بالأمر الغريب ففي فلسطين وبلاد الشام كانت توجد المآت من الحمامات وقد أورد ذلك ابن بطوطة في كتاب رحلته الشهيرة.
 

وهكذا بدا الأروبيون يستحمون في الأنهار أو الحمامات العمومية، وقام ملوكلهم ببناء حمامات داخل قصورهم عبارة عن صهاريج كبيرة من الخشب و أحيانا من الرخام أو من الذهب والفضة للاستحمام الذي كان عادة جماعية، ويحكى أن الملك الفرنسي شارلومان كان يستحم مع 200 فردا من أفراد حاشيته في حوض استحمام كبير داخل قصره.
 

لكن في القرن الخامس عشر ستنقلب الآية من جديد وسيعود الأوروبيون إلى الحذر من الماء بناء على نصائح الأطباء الذين كانوا يرون فيه ضررا بالصحة. واستمر هذا الوضع حتى بدايات القرن العشرين، أي طيلة زهاء خمسة قرون كان فيها الأروبيون ينبذون الاستحمام ويتعايشون مع "أوساخ" أجسادهم. وحتى الملوك والنبلاء منهم كانوا يكتفون فقط بمسح أجسادهم بمنشفات مبللة ويكثرون من استعمال العطور، ويغيرون ملابسهم أكثر من مرة في اليوم.
 

ويٌروى عن الملك الفرنسي لويس الرابع عشر، المعروف بـ "ملك الشمس" أنه لم يستحم في حياته إلا مرة واحدة أو مرتين، وكان قصر "فرساي" في عهده أكثر مكان قذر في فرنسا لأن الملك والأمراء والأميرات كانوا يتخلصون من حاجاتهم الخاصة حيثما اتفق داخل دهاليز القصر وتحت سلاليمه وفوق شرفاته وفي حدائقه، وكان يتم ذلك بدون استحياء، حتى شاع بين الفرنسيين مثل عن القذارة كان يقول للإنسان القذر "أنتن من فرساي". وللتخفيف من الروائح النتنة كان الملك والنبلاء يكثرون من استعمال العطور التي ازدهرت صناعاتها آنذاك.
 

الشعوب تتعلم من بعضها، والتقاليد والعادات هي خاصية لكل شعب يجب أن نحترمها حتى وإن لم نتفق معها

لكن، وإنصافا للتاريخ، فثقافة الاستحمام ظهرت أول مرة في أوروبا عند الرومان الذين تٌعتبر حضارتهم بأنها حضارة الماء، ومازالت شاهدة على ذلك السواقي الضخمة التي بنوها وأحيانا كانت تمر عبر أقواس عالية مازالت شاهدة على حضارتهم حتى اليوم نجد آثارها في تونس وفي كل دول أوروبا التي بلغتها الحضارة الرومانية من إيطاليا منبعها شرقا حتى فرنسا غربا، والتي لم تكن مياهها تستعمل بالضرورة للاستحمام وإنما للشرب والسقي.
 

وفي عهد الرومان اشتهرت الحمامات الجماعية التي لم تكن فقط مكانا لتنظيف الجسد، وإنما مكان للقاءات الحميمية ولتبادل الأخبار ولخوض في النقاشات العامة، وكانت الحمامات الرمانة مفتوحة للعامة وبدون مقابل مثلها مثل المراحيض العمومية في ذلك الوقت حيث لم تكن توجد داخل البيوت.
 

ويعتبر الرومان أول الشعوب التي اخترعت مجاري صرف المياه العادمة. دون أن ننسى أن الفراعنة هم أول من اخترع الحمامات فقد كانت لهم حمامات من الطمي والتدليك لكنها كانت خاصة بالملوك دون بقية أفراد الشعب.
 

أسوق كل هذه الأمثلة التاريخية، لأصل إلى استنتاج مفاده أن الشعوب تتعلم من بعضها، وأن التقاليد والعادات هي خاصية لكل شعب يجب أن نحترمها حتى وإن لم نتفق معها
 

وهذا ما كان ينقص الكثير ممن استغلوا "البوركيني" لمهاجمة ثقافة وتقاليد المجتمعات التي مازالت تشجعه، سواء عن حق أو عن خطأ.. اتركوا المجتمعات وشأنها فهي الأخرى قادرة تطوير نفسها من الداخل وتصحيح أعطابها بنفسها، هذه هي حتمية التاريخ وسنة الطبيعة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة