عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
3 k

أنا أكذب.. نصرة للإسلام!

12/9/2016
في العصور التي تشهد فيها بعض الأمم تراجعا وانحطاطا على جميع المستويات، خاصة السياسية والعسكرية منها، تكون الشعوب مهيأة لبصيص نور (كيفما كان نوعه) يدغدغ عواطفها ويرفع من معنوياتها وينسيها ضعفها وهوانها بين الأمم.
 

ولكن، هل يسمح لأي كان بالكذب حتى يرفع معنويات أمته المنهارة ؟
 

لا أخطر من التاريخ كوسيلة لتوجيه وعي القراء، خاصة عندما تتدخل عاطفة الباحث في الموضوع التاريخي لتعيد عجنه وخبزه وفق "طبخة معينة" لا علاقة لها أحيانا بالحياد والموضوعية المطلوبة بل والمفروضة في هذا الجانب..
 

لنكن واقعيين، كما هو الشأن بالنسبة للإعلام، فالحياد بعيد كل البعد عن التاريخ، وغالبا ما تتدخل عاطفة الباحث أو المؤرخ في توجيه الأحداث، ولكن الفرق هنا يكمن في تحري الباحث لأقصى درجات الموضوعية في طرحه، وترتبط هذه الموضوعية بالصدق والابتعاد عن المبالغات ودغدغات المشاعر أو الأساطير الخيالية المعاكسة للسير الطبيعي للأحداث، وعليه فإن الكذب ولو كان بهدف إظهار الإسلام بأجمل صورة (الصورة التي لا يحتاج الإسلام لأحد كيفما كان حتى يجملها) لن يخدم ذلك الهدف، بل قد يأتي بنتائج عكسية غالبا ما تستغلها أطراف معينة تنتظر مثل هذه الفرص "الذهبية" في نظرها، للنيل من دين لم تكن المشكلة في يوم من الأيام فيه، بل في جزء من أتباعه.
 

ما السبب الذي يدفع الكاتب لإضافة شخصية اتفقت كل الفرق والمذاهب الإسلامية على كرهها، فيما صنفها المؤلف كشخصية عظيمة في الإسلام

قدمت شهر رمضان الماضي سلسلة من التدوينات على صفحتي الشخصية في موقع الفيسبوك، أسميتها "كتاب كل يوم"، وقد خصصتها للحديث عن بعض الكتب والأعمال الأدبية التي قرأتها، معرفا بها، ومبديا رأيي الشخصي حولها.
 

نالت هذه السلسلة التي قدمتها بمجهود شخصي متواضع إعجاب عدد كبير من المتابعين، الذين ترقبوا "الحلقات" المنوعة بفارغ الصبر، وشجع هذا النجاح على التفكير جديا في تحويلها إلى سلسلة مرئية على اليوتيوب.
 

حلقة معينة خلقت ضجة كبيرة ونقاشا مستفيضا بين المتابعين، وتمت إعادة مشاركتها عدة مرات، نظرا لمحتواها المثير للجدل.
 

أتحدث هنا عن كتاب 100 من عظماء الإسلام غيروا مجرى التاريخ لصاحبه الكاتب والشاعر الفلسطيني جهاد الترباني، الكتاب الذي صدر عام 2010 عن دار التقوى للنشر ، وحقق شهرة طاغية، وبيعت منه عشرات وربما مئات الآلاف من النسخ، خاصة خلال الفترة ما بين عامي 2014 و 2015، كما زاد من شهرته تحويله إلى حلقات مسموعة ومصورة على موقع اليوتيوب.
 

للأسف الشديد، لا تكفي هذه التدوينة الصغيرة للتوسع في دراسة هذا الكتاب "الظاهرة" بشكل مستفيض، خاصة فيما يتعلق بالرد على كل الأكاذيب والمغالطات الخطيرة الواردة فيه، لكنني سأكتفي بذكر أبرز الملاحظات السلبية التي استوقفتني فيه:
 

- اعتمد الكاتب على أسلوب ركيك ومغرق في التكرار، كما أن الأخطاء الإملائية والنحوية واللغوية كثيرة جدا، ربما أكثر من اللازم، ولا يمكن أن نحمل المسؤولية كاملة هنا لدار النشر ومدققها اللغوي، فهنالك فرق واضح.
 

- أخذت الكاتب الحماسة في بعض المقاطع وأيضا عدم الدقة في المعلومات إلى تصوير بعض المواقف والعناوين بطريقة سينمائية وفنتازية أعتقد بأن القارئ الذي يطالع تلك المعلومات لأول مرة سيشعر بينه وبين نفسه بأنها خيالية وبعيدة تماما عن الواقع.
 

- السؤال الذي يطرحه القارئ على نفسه بعد قراءة الكتاب : لماذا هذا التركيز فقط على السياسيين والمقاتلين والقادة العسكريين ؟ هذا جميل، لكن، ألا يكون المسلم عظيما إلا إذا كان ثائرا مقاتلا ؟ ألا يوجد بين المسلمين من غيروا مجرى التاريخ بعلومهم وفقههم ودراساتهم في الأدب والفلك والكيمياء والرياضيات إلخ ؟ وهم كثر على فكرة..
 

- ما السبب الذي يدفع الكاتب لإضافة شخصية اتفقت كل الفرق والمذاهب الإسلامية على كرهها (أو الإكتفاء على الأقل بتجنب الحديث عنها) فيما صنفها المؤلف كشخصية عظيمة في الإسلام (أتحدث عن يزيد بن معاوية كمثال)؟
 

- كثرة المعلومات الخيالية والخطيرة التي أوردها الكاتب في كتابه دون ذكر أي مصدر تاريخي يوثقها ، وحتى إن ذكرها أحيانا فإن الوصول إلى تلك المصادر يظهر أنها لا تحتوي على أدلة كافية تدعم أطروحة المؤلف، ما يحول هذه المعلومات إلى افتراءات وافتراضات تم طرحها كحقائق وهي لا تعدو كونها محض خيال فقط لأنها تخدم بعض الأفكار التي أراد المؤلف تمريرها،
وهذا في نظري خطير جدا، لأنه يعتبر وسيلة لتضليل وتشويه المفاهيم والتاريخ.
 

- قلنا أن الحيادية مسألة صعبة المنال في التاريخ، ولكن الموضوعية مطلوبة بل ومفروضة، وعليه فإن المؤلف لا يملك الحق في بث هذا الكم الهائل من عبارات الكراهية والبغض للأديان الأخرى والمذاهب الدينية والفكرية الأخرى وحتى العلماء والأشخاص المرموقين من الأديان الأخرى، يعني مثلا أي معنى في انتقاد وبغض شخصيات مثل إديسون والأخوين رايت وإنشتاين وغيرهم ؟ فالرغبة في تعظيم الشخصيات الإسلامية لا تعني بأي حال من الأحوال الإنتقاص من خدمات جليلة قدمها علماء وباحثون من ديانات أخرى، وعليه لا يحق لل"باحث" التاريخي الرصين و المطالب بالموضوعية إدراج أوصاف قدحية كالسفلة، المتعفّنة، القذِر، الأوغاد، وغيرها، فمن الخطأ وضعها في كتاب تاريخي يُفترض أن يكون وصفياً.
 

تخيلوا معي، بعد قرنين أو ثلاثة قرون، انقلبت الموازين واستعاد المسلمون أمجادهم وقادوا ركب العالم، سياسيا وعسكريا وعلميا وثقافيا.. هل كانوا سيحتفون بهذا الكتاب المثير للجدل ؟

- لقد بدا واضحا، ومنذ البداية، أن الكتاب موجه ضد طائفة معينة، لن أدخل في ذلك النقاش السفسطائي البيزنطي عن العلاقة المتشعبة والمعقدة بين الشيعة والسنة، ولن أناقش توجهات المؤلف، ولن أتحدث عن دور المؤرخ الحقيقي في النهوض بأمته وليس المساهمة في تعميق انقساماتها بصب المزيد من الزيت على النار، لكن الأكيد هو أن الكاتب حاول بكل ما يملك من جهد إلصاق أية مصيبة أو كارثة أو هزيمة حلت بالمسلمين على طول تاريخهم الحافل، بالشيعة (الملاعين الأنجاس الكفار إلخ، فهذا القاموس معروف ومحفوظ لدى البعض) ولكن الخطورة هنا تكمن في أن هذا كله تم دون أي سند تاريخي حقيقي أو أدلة تدعم هذا الطرح، فقط الكاتب يكره طائفة معينة (لن نناقش أسبابه) فبدأ في كيل الاتهامات لها، بطريقة غريبة جعلتني أتذكر مقطعا شهيرا من مسرحية "الزعيم" لعادل إمام (أنا معترف بكل حاجة سعادتك، أي حاجة عملتها أو ماعاملتهاش أنا معترف بيها سعادتك، أي حاجة وحشة حصلت في العالم أنا السبب فيها، البوسنة والهرسك أنا السبب فيهم، خروج السعودية من كاس العالم أنا السبب فيه! ومستعد أمضي وأبصم على كدة كمان!)
 

عندما أبديت رأيي في هذا الكتاب، ونشرت أيضا "دراسة" صغيرة أكشف فيها (حسب منظوري الشخصي طبعا) أبرز المغالطات التاريخية الواردة فيه، فوجئت بضجة غير متوقعة، بين من اتهمني ب "ضرب المشروع النهضوي الإسلامي" و من جزم بأنني "أحسد" الكاتب على نجاحاته، ومن قال بأنني من أولئك "المتربصين" الجاهزين لتحقير و تبخيس أي "إنجاز" إسلامي، ولا أبالغ عندما أقول بأن بعض الرسائل كفرتني صراحة!
 

المشكلة هنا تكمن في ما لخصه أحد المتابعين بقوله "لقد أجاد الكاتب دغدغة مشاعر القراء (خاصة غير المتخصصين منهم) وإن اعتمد على الكذب في المعلومات التي أوردها، هذه الدغدغة جعلت البعض يرفعون الكتاب لمرتبة أصح الكتب بعد كتاب الله وصحيح البخاري! وعليه فمن الطبيعي جدا أن يعتبر كل منتقد لما ورد في هذا الكتاب حاقدا حاسدا وربما "كافرا"!
 

طيب...
تخيلوا معي، بعد قرنين أو ثلاثة قرون، انقلبت الموازين واستعاد المسلمون أمجادهم وقادوا ركب العالم، سياسيا وعسكريا وعلميا وثقافيا..
هل كانوا سيحتفون بهذا الكتاب المثير للجدل ؟
أشك في ذلك...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة