أبي على سرير بروكروست

16/9/2016
هو قاطع طريق، مفتول العضلات، تعيس الحظ من اقتاده القدر إليه، يضع سريره في منتصف الطريق، ويطلب من المارّة أن يستلقوا على سريره ثم ينظر إليه، فإذا كان بدا له ذلك الشخص أطول من سريره قام بقطع وبتر وقص الجزء الزائد من جسده!
 

أما إن كان ذلك الشخص قصير، قام بشد ومط جسده حتى يصبح على مقاس سريره، أما إذا تساوى طول الضحية مع طول السرير فإن بروكرست يعتبر ذلك شيئاً حسناً، ويترك عابر السبيل يمر بسلام، الأهم أن يتساوى طول ذلك الشخص مع طول سريره.

لا يفقدك بروكروست إيمانك بذاتك وطموحك، فلك أن تعرف أنه مات مقطوع الرأس على سريره، الذي لم يكن على مقاس جسده من البداية

لم يدرك بروكرست، ذلك الحداد من أتيكا، ابن بوسيدون، الآتي من أعماق المثيولوجيا اليونانية القديمة، أن أفكاره سوف تتوارث عبر آلاف الأجيال، حتى يأتي الدور على آبائنا، فتجسد بروكروست في كل منهم، تلك الأسطورة الغابرة أصبحت في لحظات حية، تقف أمامك ويتحدث معك!

عندما تحول أبي إلى بروكروست، أصبحت الأبوة عبء على الكاهل، يريدك مثله في كل شيء، أن تعيد تجربته في الحياة، فتتبنى أفكاره صواباً كانت أو خطأ، وأن تصبح حياتك امتداد لحياته تحت دافع الخوف من صعوبة الحياة، ونصائح الخبير، تنتهك تجربتنا الشخصية فإن كانت تلك حياتهم، أين هي حياتنا الخاصة، وإن كانت حياتنا استمرار للتجارب الماضية، فما الفائدة من تلك الحياة؟ وما الغرض من وجودنا؟!

متى تحولت الأبوة من إرشاد ونصيحة، إلى قمع وطمس للشخصية!؟ متى ظهرت تلك الفجوة بين الأب والابن؟ متى تحول أبي إلى بروكروست؟

هل تتذكر تلك الساعات الطويلة من النقاشات غير المجدية، هي غير مجدية لوجود طرف مهيمن، لديه سلطة الرفض دون سبب مقنع، فقط يكفي أن يحدثك عن خبرته في الحياة. لا يوجد مجال للطموح، تلك نظرته للحياة، لا يوجد وقت، هي ليست أكثر من دورة بين موت وميلاد، لن يتاح لك فرصة للتجديد والخروج عن المألوف فقط عليك أن تعيشها كما هي.

في أثناء ثورة 25 يناير في مصر وثورات الربيع العربي، كان الصراع على أشده بين جيل الآباء والأبناء، جيل يحارب من أجل بقاء سفينة الاستقرار تسير في طريقها بما تحمله من ألم ويأس وقلة حيلة، وجيل يطمح إلى التغيير، يريد السير إلى المجهول، أن يخترق عتمة الظلمات بحثاً عن نور الفجر حتى وإن كلفته حياته. كلمة شباب دائماً ما كان يتبعها كلمات أخرى، متهور وطائش أو مستهتر وقليل الخبرة، كنا نحمل عبء التفكير في المستقبل، نخاطر بكل ما نملك، دون تشجيع أو حتى بعض من الإيمان بقدرتنا.

جيل يحارب من أجل بقاء سفينة الاستقرار تسير في طريقها بما تحمله من ألم ويأس وقلة حيلة، وجيل يطمح إلى التغيير، يريد السير إلى المجهول

عندما ينظر إليك، يريدك أن تعيش حياة أفضل منه، وهذا قاسم مشترك بين معظم الآباء، إلى أن يتحول تدريجياً إلى ذلك البروكروست، فأفعالك وأهدافك وطموحاتك، حتى طريقتك في الحديث وأدق تفاصيل حياتك يجب أن تكون امتداد لأبيك.. كيف تتخيل أن يراك أهلك فاشلاً قبل أن تفشل، حتى وإن كنت لم تحاول بعد، هل يكفي فقط أن تشرد بعيدًا بعض الشيء عن مسيرته وأفكاره، ألم يرزق الله كل شخص صفات ومواهب مختلفة عن الآخر، لماذا إذاً يريد تكرار تجربته، هل هو خلل في الفهم وإدراك حقائق الحياة؟ أم خلل في الإيمان بالأبناء وحقهم في وجود تجربتهم الخاصة؟

في النهاية عزيزي القارئ اعمل لتحقق أحلامك واترك أحلام الآخرين للآخرين، وإن دبرت أمرك فلتحسن التدبير، واصنع من فشلك المزعوم درعا منيعا، ليدفعك للنجاح، ولا يفقدك بروكروست إيمانك بذاتك وطموحك، فلك أن تعرف أنه مات مقطوع الرأس على سريره، الذي لم يكن على مقاس جسده من البداية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة