عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
4.2 k

في نقد الفصل بين الدين والتديُّن

16/9/2016
إن تصوُّر أن هُناك دين قائم بذاته كحقيقة مُطلقة أزلية وخالدة بمعزل عن الإنسان، وأن هُناك تديُّن هو التعبير عن هذا الدين في الحياة والتاريخ إيماناً وعملاً. وهو التصور السائد عن الدين والتدَيُّن، ويعتمد عليه بعض المفكرين للتمييز بين ما هو مُطلق وما هو نسبي وتاريخي في الدين، هو تصورٌ يعاني من إشكالية غياب "الوعي بالإنسان" كما تحدثنا عنها في مقال سابق هُنا، بل هو تجسيدٌ لهذه الإشكالية. لماذا؟ لأننا عندما نتكلم عن الدين "كحقيقة مُطلقة" فهذا أيضاً تصورٌ إيماني، هذا تديُّن، بعبارة أُخرى، لا يُمكننا قول أي شيء حول جوهر الدين دون أن يكون هذا الكلام تعبيراً عن الإيمان وعن التديُّن بالتالي.
 
النص يكتسب صفة الإطلاق والقداسة من خلال الإيمان/التديُّن، إذ لا مجال إلى معرفة دينية إلا من خلال الإيمان ومن خلال النص نفسه

غياب "الوعي بالإنسان" في هذا الفصل بين الدين والتديُّن يكمن في نسيان حقيقة أن الإنسان لا ينظُر إلى الدين من خارج الإنسان، ولا من خارج الإيمان والتديُّن. فالإنسان المؤمن لا يُمكنه أن يتوصل إلى أي حقيقة بشأن الدين إلا من خلال الإيمان، أي من خلال التديُّن، بما في ذلك فكرته عن الدين كحقيقة مُطلقة. وبالطبع بإمكان المؤمن تأسيس إيمانه على العقل والبُرهان، ولكنه في هذه الحالة أيضاً سيكون في حدود العقل والبُرهان، أي داخل حدود النسبية الإنسانية، ولا يُمكنه بالتالي الوصول إلى معرفة دينية خارج حدود المعرفة الإنسانية إلا بقفزة إيمانية. وهذه المعرفة الدينية المتحصلة عن طريق الإيمان تدخُل في نطاق التديُّن.
 

هُناك أيضاً التجرُبة الدينية كمصدر آخر للمعرفة الدينية، التجرُبة العملية التي تقود الإنسان المؤمن إلى معرفة حيّة واقعية مُعاشة، ولكن وبما أنها تجربة فهي إذاً تديُّن، والمعرفة المرتبطة بها تنتمي إلى مجال التديُّن وليس إلى مجال الدين المُطلق، الذي -بالتعريف- يقع خارج نطاق المعرفة الإنسانية.
 

أما الإيمان فهو فعلٌ إنساني. ومثلما أن الإنسان لا يُمكنه الوقوف خارج حدود الوعي الإنساني لإدراك محتويات هذا الوعي أو لإدراك الواقع باستقلال عن الوعي، كذلك الإنسان المؤمن لا يُمكنه الوقوف خارج حدود الإيمان والنظر إلى الحقائق الدينية التي يؤمن بها من الخارج، لأن هذه الحقائق تتعلق بعالم الغيب، ولا يُمكن النفاذ إلى الغيب إلا من خلال الإيمان. فليس هُناك معرفة دينية تتعلق بالغيب بمعزل عن الإيمان أو من خارج حدود الإيمان.
 

وكل محاولة لعقلنة الإيمان هي إخضاعٌ له لشروط المعرفة الإنسانية الموضوعية تضعه في نفس مستوى بقية المعارف العلمية والفلسفية. وفي المقابل فإن عدم خضوع الإيمان لهذه الشروط يضعه في مستوى آخر، ويميّزه كمجال مختلف له خصوصيته وطبيعته المستقلة.

إن الإيمان هو المفهوم الأكثر مركزيةً في الدين، وهو التجربة الواقعية المحسوسة التي يكتسب من خلالها الدين وجوده في الإنسان وفي التاريخ، والتديُّن كمُمارسة في الفكر والعمل هو تعبيرٌ عن الإيمان وفي الوقت نفسه هو صناعة وتعزيز لهذا الإيمان. ويُمكن القول أيضاً إن الجوهري والعام والعابر للتاريخ والثقافة في الدين هو الإيمان بحد ذاته، كفعل إنساني، وليس موضوعات هذا الإيمان.
 

إذاً لا يُمكن النظر إلى مفهومي الدين والتديُّن كمفهومين مستقلًّين عن بعضها، ولا عن مفهوم الإيمان. فالإيمان هو تديُّن أي ممارسة للدين، وفي الوقت نفسه لا وجود للدين خارج نطاق الإيمان، لأن المعرفة الدينية ممكنة فقط عن طريق الإيمان وكذلك التجربة الدينية. وهو أساس الدين ليس فقط بالنسبة للمؤمنين وإنما كذلك بالنسبة للأنبياء والقادة الدينيين. فالأنبياء هم أول المؤمنين، وأوَّل المتديّنين. فالعلاقة التي تربط النبيّ بالغيب هي أيضاً علاقة إيمان، بل إن العلاقة التي تربط النبي مع ذاته كنبي هي علاقة إيمانية، فالنبي يؤمن برسالته، يشهد أنه مؤمن وأنه رسول أو نبي. وكل تجارب الأنبياء وخبرتهم الدينية والتي نقلوها لنا بواسطة اللّغة والكلمات قد كانت تديُّناً وإيماناً. والمؤمنون من بعد ذلك يؤمنون إما من خلال تجاربهم الخاصة والمستقلة، أو من خلال التصديق والإتباع للنبي أو الرسول أو القائد الديني.
 

ولكن عندما تنظُر الآن في الخطاب الديني يُمكن أن تلاحظ استخدام كلمة "العقيدة" بدلاً عن الإيمان، وإخراج المعرفة الدينية من مجال الإيمان، لتصبح كأنها حقائق واقعية متجسّدة في التاريخ، لا مجال معها حتى للتفسير والفهم. ومفهوم الإيمان أصبح لا يعبِّر عن الشعور الديني الانفعالي بالوجود لدى الإنسان المؤمن بكل حيويته و توتُّره وحرارته، بقدر ما يعبِّر عن العلاقة مع تاريخ الإيمان، أو الإيمان كما تجسَّد في التاريخ، كما تجسَّد في شكل "عقيدة".
 

القراءات المختلفة لهذه النصوص تظل عملاً علمياً إنسانياً دنيوياً لا مجال لتقديسه بأي حال من الأحوال

ولم يقف الأمر عند هذا الحد وإنما هُناك أيضاً حُراس وحُماة لهذه "العقيدة". وقد لا تبدو كلمة "حُراس الإيمان" مستساغة للأُذن، ربما لأن كلمة إيمان ما تزال تحتفظ بطابعها الفردي والحُر. فالإيمان دائماً هو موقف فردي داخلي أصيل متصل بعمق الإنسان وحساسيته الروحية والمعنوية حيث لا مجال لأي سُلطة خارجية. ولكن "العقيدة" يبدو أنها ذات طابع جماعي ودائماً تجدها مربوطة بجماعة لا بفرد. فقد لا تسمع اليوم عبارة "إيمان الجماعة" ولكنك تسمع عبارة "عقيدة الجماعة".
 

قد يستخدم بعض المفكرين مصطلح التديُّن لتمييز الفكر الديني والممارسة الدينية عن النصوص المقدّسة. فالنصوص مقدّسة ومُطلقة بينما الفكر والممارسة القائمان على هذه النصوص يُعبران عن التفاعُل الإنساني التاريخي والنسبي مع النص المقدّس والمُطلق. ولكن النص المقدّس نفسه لم يصبح مُطلقاً إلا من خلال التديُّن والإيمان ومن خلال الفكر الديني نفسه، بمعنى أن النص يكتسب صفة الإطلاق والقداسة من خلال الإيمان/التديُّن، إذ لا مجال إلى معرفة دينية إلا من خلال الإيمان ومن خلال النص نفسه.
 

ومع ذلك يظل هُناك بكل تأكيد فرق ومسافة بين النصوص الدينية وقراءة وتفسير هذه النصوص، وإذا كانت النصوص هي محل فهم وتفسير بقدر ما هي محل إيمان، فإن القراءات المختلفة لهذه النصوص تظل عملاً علمياً إنسانياً دنيوياً لا مجال لتقديسه بأي حال من الأحوال، ولكنه يُعتبر بقدر ما يتحلى بالعلمية والموضوعية كغيره من الأعمال العلمية أو الفلسفية. 

كلمات مفتاحية: الدين، التدين، الإسلام

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة