ساق البامبو

12/1/2017

في زمن الجدب الأدبي، والعوَز الفكري، وشحّ الإبداع الآسر معنى ومبنى، تكاد تشعر باليأس وأنت تجوب ردهات المكتبات، وتنتقل بين أروقتها فلا يكاد يطالعك إلا غثاء لا يشبع جوعك الثقافي، ولا يروي ظمأك للأدب الراقي الذي ألِفت القراءة عنه عند جهابذة النثر والشعر القديم.

مئات الروايات والقصص تطبعها دور النشر تصيبك بالغثيان وأنت تتصفح بعض محتوياتها، ابتذال في المعنى وركاكة في المبنى، تجعل القارئ الحصيف يشعر بالأسى على الجريمة التي تقترفها دور النشر في حقّ الإبداع الأدبي العربي.

سحقا للتقاليد التافهة التي تقتل فينا كل القيم الإنسانية، سحقا للفضول والثرثرة العربية التي تجعلنا نتخلى عن قيم هي من أساسيات ديننا.

لذا قلّ أن تجد -أخي القارئ- رواية تأسرك منذ صفحاتها الأولى، وتجذبك إليها بكل ما أوتيت من براعة سبكٍ وجزالة لفظ. ومتى ظفرت بها كانت بالنسبة لك مغنما ونصرا عظيما لا تملك إلا أن تخلده ببضع حروف كتعبير عن امتنانك لمن كان سببا في إدخال البهجة والسرور لقلبك الأسيف.

وهذا ما حدث لي مع التحفة الروائية الماتعة "ساق البامبو" للروائي الكويتي سعود السنعوسي، والتي حصلتُ عليها دون تخطيط، إذ أحضرها لي أخي أثناء جولته ببعض المكتبات بمدينة الدار البيضاء، وجدتني متلهفة لقراءتها وإتمامها بعد التهامي السريع لصفحاتها الأولى، أتممت صفحاتها 396 في وقت وجيز، غرّني سردها الماتع وأسلوبها السلس، وموضوعها الواقعي الذي يحكي جملة من التناقضات التي يرزح تحت قيودها واقعنا العربي عموما والخليجي خصوصا، حيث لا اعتبار إلا للمال والسلطة والجاه.

قصة حزينة جدا لعيسى الذي تقاذفته رياح الحياة بين مسقطي رأس والديه، الكويت والفلبين، محاولة بائسة للبحث عن الذات التائهة بين موطنين متناقضين دينيا واجتماعيا، لا تملك وأنت تتابع عيسى ينمو ويشبّ إلا أن تتعاطف معه وتستشعر روحه الإنسانية الباحثة عن أبسط الحقوق في الحياة وهي العيش بهويته مع أهله في جو مفعم بالحب، لكن سحقا للتقاليد التافهة التي تقتل فينا كل القيم الإنسانية، سحقا للفضول والثرثرة العربية التي تجعلنا نتخلى عن قيم هي من أساسيات ديننا.

نهاية الرواية كانت مأساوية كما كل أحداثها، عودة لوطن الأم بعد أن لفظه وطن الأب بكل ما أوتي من قسوة وجفاء، لكن ظل عزاؤه في تلك القلوب الطيبة التي ظفر بمحبتها، والتي ما فتئت تسانده وتشد من أزره (إن لفظت الديار أجسادنا.. قلوب الأصدقاء لأرواحنا أوطان)، هكذا ضمد عيسى جراحه بهذا البلسم الشعوري وتابع حياته كأي إنسان في وطن لا يضيق بترهات التقاليد المجحفة.

حُق للرواية أن تحظى بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لسنة 2013، وحق لطبعاتها أن تتناسل لتصل إلى الطبعة 26 هذه السنة. وحقّ لمن أبدع وأمتع أن نجزل له الشكر لجميل ما خط قلمه وأبدع إحساسُه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة