أيمن تيسير دلول
أيمن تيسير دلول
855

كيف نجادلُ قوماً جادلوا الله؟

12/1/2017
في جدلية الحديث عن قضية فلسطين يكثرُ المتحدثون والناطقون ومن خلفهم، ينقسم الجمهور بين مؤيد ومعارض لأفكار هذا وذاك، وهي معادلة ليست وليدة اليوم، بل أكاد أزعم بأنها نشأت كحالة منذ قدوم الصهاينة إلى الأرض التي "تفيض لبناً وعسلاً.. فلسطين"، ومع استقراراهم في بلادنا ظهرت في الفترات الزمنية المختلفة خلال تاريخ صراعنا معهم فئاتُ المفكرين والمفسرين لأفضل الطرق والوسائل الكفيلة بإعادة فلسطين المسروقة إلى أهلها الحقيقيين.

وإن كانت غالبية الفلسطينيين ترى بأن "ما أُخذ بالقوة لا يُستردُ إلا بالقوة"، إلا أن هذه الغالبية التي تفكر بهذه الطريقة لم تجد نفسها تجلس على سُلم القيادة خلال تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وإن جلست ما تلبث أن يتم إزاحتها عن المشهد، بل كانت تصريحاتها تصطدم بالإجراءات والمسالك التي يسير فيها من يتمترس على عرش الزعامة، رغم أن تلك الفئة "قليلة العدد" تختلف جوهرياً في فلسفتها ورؤيتها لحل القضية الفلسطينية، مع التوجه العام الذي تؤيده أغلبية الشعب الفلسطيني.

دُعاة التفاوض والحوار عليهم أن يعلموا بأن هذه الأساليب لم تُفلح في إقناع بني إسرائيل بأقوال الأنبياء، فهل سيقتنعون بكلامكم أنتم البشر؟
رُب سائل يسأل: كيف لعدد قليل من القادة أن يتحكموا في مصير شعب بالآلاف ويرفض توجهاتهم؟ والإجابة عن هذا السؤال سهلةٌ للغاية. ففي زماننا يجب أن يكون كل قائد يجلس في قصور العرب خاضعاً وحافظاً أميناً لتنفيذ أجندة الأطراف القوية في العالم متمثلة بـ" واشنطن وموسكو"، والأجندة التي يقوم بتنفيذها أولئك الزعماء عادةً ما يتم إغداق المال على أدوات تنفيذها، وبذلك تتحقق النظرية المعروفة: من يملك المال.. يملك القرار.

أكادُ أزعم بأن القضية الفلسطينية لم يمر فيها توافق كامل بين أطياف وفئات المجتمع الفلسطيني على استراتيجية موحدة لمواجهة الاحتلال، صحيحٌ أن هناك اتفاق على ثوابت القضية وضرورة الحفاظ عليها، لكن الاختلاف جوهري وكبير على الآليات، ففريق لا يؤمن إلا بالمقاومة المسلحة كأسلوب جربته كافة الشعوب التي كانت محتلة في كافة أرجاء المعمورة وأثبت نجاعة كبيرة، وفريق لا يؤمن إلا بالتفاوض مع الاحتلال على الحقوق والثوابت.

ومن محاسن القدر أن دروس التاريخ فيها الكثير من النماذج التي حققها كل خيار، وشتان شتان بين ما حققه الخياران على المواطن الفلسطيني، فأحدهما لم يجلب لذلك المواطن المقهور المسحوق إلا الذلة والخنوع والخضوع، الذي سعت له قيادة فريق "الحياة مفاوضات"، ومن خلاله باتت تعمل جاهدةً على تغيير القناعة لدى الجمهور الفلسطيني ودفعه لقبول مبدأ التنسيق الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، لقتل أي محاولات تهدف لإضعاف الاحتلال تمهيداً إلى زواله الكامل.

أما الفريق الثاني فقد رسم العديد من الصور المشرقة في ذاكرة الفلسطيني المقهور، وجعل دموعه تنزل لأول مرة فرحة بتحرير المئات من الأسرى الفلسطينيين وفق مطالب المقاومة الفلسطينية، وهو الخيار الذي حرر جزءاً من فلسطين في قطاع غزة، وإن كان التحرير منقوص إلا أنه كان بفعل ضربات المقاومة التي كانت في سياق الإيمان بخيار القوة، وذات الفريق عمره الزمني يكاد يكون أقل من نصف العمر الزمني لفريق التفاوض، غير أن العبرة ليست بالزمن بقدر ما هي بالنتائج.

لقد خسرنا فلسطين بالإكراه وليس بالمنطق الذي قد يصل إليه الجدال أو التفاوض والحوار، وبالتالي لن تعود بلادنا إلا بالإكراه.
رغم هذه الحقائق الماثلة أمام الواحد فينا، إلا أن الكثير من المثقفين العرب وغيرهم يُصرون على تغطية عيونهم، ويسخرون أقلامهم لتشجيع حكوماتهم العربية للتفاوض والتقارب مع الاحتلال الإسرائيلي، ويبررون بأن ذلك التقارب هو "وحده القادر" على إيجاد الحلول المناسبة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية، وهم واهمون بذلك.

في قصة سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام الخبر اليقين، لكننا نُصرّ على إغلاق عيوننا أيضاً، وفي علاقة المقاومة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي وتحقيقها للكثير من المنجزات بينما كانت تدوس بأرجلها فوق جبهة الاحتلال عبرةٌ ثانية كذلك، وفي قصص تحرير فيتنام وغيرها عبرةٌ ثالثة من التاريخ لمن أراد أن يعتبر. لكن في قصة سيدنا موسى مع بني إسرائيل "اليهود" فقد طلب منهم أن يذبحوا بقرة بناء على طلب الله "ملك السماوات والأرض"، فكان بإمكانهم أن يذبحوا بقرة استجابةً لأمر الله، لكنهم جادلوا سيدنا موسى في لونها وشكلها وأوصافها وغيرها من الأمور، لكنهم وإن كانوا ذبحوها بعد طول جدال كان وصف الله فيهم "..فذبحوها وما كادوا يفعلون".

هذه حقيقةٌ لا بُد أن تكون راسخة في عقولنا وأذهاننا: لقد خسرنا فلسطين بالإكراه وليس بالمنطق الذي قد يصل إليه الجدال أو التفاوض والحوار، وبالتالي لن تعود بلادنا إلا بالإكراه، أما دُعاة التفاوض والحوار فليعلموا بأن هذه الأساليب لم تُفلح في إقناع بني إسرائيل بأقوال الأنبياء، فهل سيقتنعون بكلامكم أنتم البشر؟ ومن هو صاحب العقل السليم الذي سيخرج من بيتك الذي سرقه منك لمجرد أن تتحاور معه على ذلك دون أن يرى في يدك بندقية أو عصاة على الأقل ترهبه بها. ما لكم كيف تحكمون أم أنكم لا تعقلون!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة