الله الذي يبتلينا

13/1/2017
منذ القدم، حين عاش الإنسان داخل جماعات منظمة، لم يكفوا عن التفكير في الذات التي أعطت حكامهم السلطة الشرعية، فاعتقدوا في البداية أن الآلهة هي من تحكمهم كالإغريق والفراعنة، ومن ثم تركت الآلهة الأرض ليحكمها أنصاف الآلهة كما في الأساطير اليونانية مثلاً، من ثم ترك الحكم إلى ملوك من البشر، بعد أن أصبح غريباً والغير معقول أن تموت الآلهة أو أنصافهم، موت الأناس العاديون!

لكن لما كان للآلهة من قداسة لدى البشر، فكان حكم البشر حين ذاك مستمد لشرعيته من الآلهة، والكهنة هم الجسر بين السماء والأرض، ومن بين أيديهم ينقل السلطة، فيتوجون الملوك باسم الله، كما كان يحدث في عصور الظلام بأوروبا.
الإنسان يدرك عجزه ويحاول دائماً أن يجد من يقويه، ويشبع رغباته، بيد أنه لم يدرك أنه سيصبح في يوم عبداً لذلك الشيء، إنسان كان أم رغبة عابرة، فأضاع حريته، وسلم إيمانه لأشخاص باعوا كل شيء

أما الآن، في عصر التحضر والعلم، وقت أذن الله للإنسان، أن يتفكر ويبحث عن الحقيقة ويختلف حتى في ذاته! ذهب البشر إلى أوثانهم القديمة وتركوا خلفهم كفاح أجيال من أجل حريتهم وفكرهم عن تراضي، ورحلوا تحت أقدام كهنة عصرهم المتحضر، المتاجرين باسم الله وشرعيته وسلطته على خلقه، ذهبوا إليهم فسقوهم سمومهم القديمة، بكل سهولة في ظل استسلام تام، حتى وإن كانوا استغلوا الفقر والجهل، فالإنسان أيضاً تخلى عما تبقي من عقله في سبيل لا شيء.

وفي الوقت الذي كان على الناس إخضاع حياتهم للتفكير والمنطق، رحلوا بعيد جداً عن عقولهم وتخلوا عن حريتهم بإرادتهم، فقد يبدو الإنسان مترفعاً، بيد أن نفسه ملطخة بالوحل، فضة ثائرة، لا يمكن شقها والغوص في غورها، متطلباتها فجة غليظة ذات طابع حيواني، فيخيل له أنه مسيطر على كل شيء، إلا أنه عاجز عن التنبه بشيء، خيراً كان أم شر، فلو كان يستطيع إدراك حقائق الأمور لكانت حياته اختلفت جداً.

الإنسان يدرك عجزه ويحاول دائماً أن يجد من يقويه، ويشبع رغباته، بيد أنه لم يدرك أنه سيصبح في يوم عبداً لذلك الشيء، إنسان كان أم رغبة عابرة، فأضاع حريته، وسلم إيمانه لأشخاص باعوا كل شيء.
الإنسان ظالم لنفسه، ضعيف في لباس القوة، جاهل في هيئة العاقل، لو كان يدرك أن أفكاره قد تصبح أشواك، لما اعتقد بها منذ البداية، أفلاطون حين دعا إلى تواجد الحاكم المستبد العادل أو المستبد المستنير، لم يكن يدرك أن سيأتي زمن، يأتي حكام مستبدين دون عدل أو عقل.

لو كان يتنبئ لأدرك أن استنارة الحاكم من استنارة المحكوم، وعدل الحاكم من يقظة المحكوم وقدرته على المحاسبة، لو كان يتنبأ لأدرك أن أي نظام مهما كان مبني على أسس، دون مقاييس سيفضي في نهاية المطاف إلى عبودية، كان سيدرك أن كل الأنظمة المبنية بالقوة والقهر ولا يتخللها إرادة الإنسان وحريته في المعرفة والاقتناع، ستؤدي إلى انصهار شخصيته الحرة إلى قوالب جامدة لا يرتجي منها خير لنفسه أو لدينه أو لوطنه أو للبشرية.

لو أدرك الإنسان أن المشكلة في تطبيق أي مبادئ هو الإنسان ذاته، ليست في هيكلة الأفكار والكلمات، لأيقن أن الحكم المثالي، لم يكن في يوم نتاج للمبادئ المثالية، بل نتاج للأشخاص المثاليين
سيخبرونهم، أن طاعة الحاكم المؤمن من طاعة الله، حتى وإن كان مستبد، سيخبرونهم أن ليس لهم حق في التفكير والتفلسف في نظام الحكم، ما دامت هنالك قيادة قوية مؤمنة مستنيرة، تفكر بالنيابة عن الشعب في كل شؤون الحياة، سيخبرونهم أن ابتلاء الله لهم، ما هو إلا نتاج ما صنعته أيدي البشر، وأن البشر حين يعترضوا على الحكام، فقد كفروا وألبسوا أنفسهم ثوب الخلق، لكنهم نسوا أنهم من أنسبوا إلى حكامهم وملوكهم صفات الألوهية، ينتحلوا صفات الإله، يحكموا البشر دون حساب، دون إمكانية للاعتراض، ويظنوا أنهم من يختار من يعيش ومن يموت!

لو أدرك الإنسان أن المشكلة في تطبيق أي مبادئ هو الإنسان ذاته، ليست في هيكلة الأفكار والكلمات، لأيقن أن الحكم المثالي، لم يكن في يوم نتاج للمبادئ المثالية، بل نتاج للأشخاص المثاليين، المنصهرين في مبادئهم، أشخاصهم مبادئهم، ومابدئهم أشخاصهم لا تستطيع أن تفصل أحدهم عن الآخر.

ولأدرك الناس حينها، أن ابتلاء الله لهم، لم يكن نتاج أفعالهم على قدر سكوتهم وارتضائهم بأن يكونوا كبش فداء للمستبدين الطغاة وكهنتهم.
كلمات مفتاحية: حكم، قوة، عقيدة، إيمان، آلهة،

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة