أمير رضوان
أمير رضوان
2.4 k

ثورة على المشايخ

13/1/2017
أذكرُ حينما كنتُ طفلاً صغيراً أنني كنتُ شغوفاً باتباع المشايخ، أحبّ مجالستهم وحضور المناسبات الدينية برفقتهم، دارت الأيام واندلعت شرارة الثورات العربية من تونس حتى وصلت لسوريا وانتفض أهالي مدينة درعا بوجه النظام المُستبد، كنتُ حينها ألتمس الأعذار لمشايخي لعلهم يخشون على أنفسهم أو أنَّ الوقت لم يحِن بعد للصدام العلني مع النظام.

أدركتُ بمرور الأيام أنّ الثورة بحاجة النخب التي تؤثر على الشعب وعلى رأس تلك النخب من يُمثل وجدان السوريين ومرجعهم الروحي. إنهم بالمصطلح العام "المشايخ"، أي رجال الدين المسلمين.
تزايدت موجة التفاعل مع الثورة حتى انتشرت بأغلب المحافظات السورية، وعلى إثرها تتابعت الأحداث من قتلٍ وقمعٍ ومداهمات بحق الأهالي الثائرين.

لم تكن الصورة غائبة عن مشايخنا فقد كانوا حاضرين يُحاول أغلبهم "حل المشكلة" وبأفضل الأحوال يدعون طلابهم وأتباعهم لتجنُّب ما أسموها "الفتنة"!

تشكَّل الجيش السوري الحر وصارت المواجهة المسلحة مع قوات الأسد عنوان الحدث، لينقسم الناس حينها إلى فسطاطَيْن، أحدهما وقف بصف الحاكم وأخذ بالتطبيل ولَي عنق النصوص الشرعية إرضاءً للحاكم وربما سعياً لمزيد من النفوذ.

نحن اليوم كسوريين نحصد ما زرعته النخب من جهل وإهمال، وصرنا بحاجة لثورة جديدة على بعض المرجعيات خصوصاً الدينية منها، وإلا فسنبقى مُتناقضين حتى آخر الدهر.
أما الآخر انقسم بدوره إلى من يلين مع النظام ويتودد له سرّاً وعلانية، ومن توارى عن الأنظار فجأة دون تحديد موقفه، ومن ثار على استحياء مع استمراره بتقديس المرجعيات المُشتهرة بموالاتها لنظام الأسد.

قليلٌ هم الرموز الذين صدعوا بالحق جهاراً نهاراً وتبرّأوا من النظام ومؤسساته بما فيها المنظومة الدينية التقليدية. اتجه غالبية الأصناف المذكورة -على تنوعها- للعمل في تركيا ضمن الإطار الفكري التوعوي، الموجَّه خصوصاً للداخل السوري الخاضع لسيطرة الثوار.

هذا التمايز المَشيخي والتناقض بين كثير من المشايخ وبين النصوص الشرعية التي دعتْ للوقوف مع المظلومين والمطالبة بحقوقهم كما فعل أسلافنا من ابن تيمية والعز بن عبد السلام وغيرهما.

كل تلك الأمور لم تكن عاديةً بالنسبة لي، فقد شكَّلت صدمة إذْ كنتُ أتوسّم بأولئك المشايخ الحكمة واتباع النصوص والاقتداء بمسار الصالحين، لكنهم اليوم يَقفون بصف من يُحاربني ويقتل أهلي ويُدمّر بيتي، أو يسكتون عنه أو ينشغلون بالدعوة!

حتى وصلنا إلى مرحلة صرنا نبحث فيها عن المشايخ الأحرار كما يبحث أحدنا عن الإبرة في كومة قش، وصار المشايخ بنظر كثير من السوريين مجرد أناس يتلاعبون بالنصوص الشرعية لخدمة مصالحهم الخاصة، فخرجت المسألة عن إطارها الطبيعي كردّ فعل من بعض الثوار ليُفسحوا المجال للأفكار الوافدة دون التدقيق في محتواها.

اليوم نعيش في سوريا خاصة والعالم العربي والإسلامي عامة كارثة حقيقية تتمثل بغياب المرجعيات وعلى رأسها المرجعيات الدينية، إما لوقوفها بصف الحكام أو لعدم فاعليتها وخبرتها وتأخر قراءتها للمشهد الثوري ميدانياً.

نحن اليوم كسوريين نحصد ما زرعته النخب من جهل وإهمال، وصرنا بحاجة لثورة جديدة على بعض المرجعيات خصوصاً الدينية منها، وإلا فسنبقى مُتناقضين حتى آخر الدهر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة