محمد حجاج
محمد حجاج
1.1 k

الحوسبة البشرية

16/1/2017

"في عام 2003، أنفقت البشرية 9000,000,000 ساعة في لُعبة "سوليتير"
إذا كُنت تعتقد أن هذا الرقم ليس صادمًا بما فيه الكفاية، يُمكننا وضعه في مقابل بعض المُقارنات: ناطحة السحاب الشهيرة "إمباير ستيت" استغرق بناءها 7 مليون ساعة، بينما قناة بنما والتي تربط المحيط الأطلنطي بالمحيط الهادئ بطول يتعدى 77 كيلومتر استغرق الانتهاء منها 20 مليون ساعة. بعبارة أُخرى، الوقت الذي استغرقته البشرية في لعب "سوليتير" يوازي الوقت اللازم لبناء 1286 إمباير ستيت، أو حفر 450 قناة بحجم قناة بنما.

هل هُناك وسيلة للاستفادة من هذه الموارد الهائلة الضائعة؟
أحد الإجابات تكمن فيما يُسمى بـ Human Computation، أو الحوسبة البشرية. يُمكن للحواسيب القيام بمهام مُعينة -تلك المهام التكرارية التي تتطلب السرعة والدقة- بكفاءة يعجز عنها البشر. في نفس الوقت، هُناك مهام نقوم بها نحن البشر بكفاءة مُنقطعة النظير وبدون أدنى مجهود -كالتصنيف البصري للأشياء على سبيل المثال- ولكنها تُمثل تحديًا هائلًا للحواسيب.
 

المشروع الحالي الذي عمل عليه لويس هو ترجمة كُل مُحتوى الإنترنت لكُل لُغات العالم. لم يكن يبحث هُنا عن ترجمة آلية تقريبية، وإنما ترجمة بشرية دقيقة.

ماذا لو استطعنا بطريقة ما دمج القدرات البشرية وقدرات الحواسيب في إطار واحد؟
عندها سنتمكن من حل مُشكلات لا يُمكن لأي منهما التعامل معها بصُورة منفردة، وهذه هي الفكرة الرئيسية خلف الحوسبة البشريّة. في هذا الإطار، يتم التعامل مع العقول البشرية على أنها مُعالجات متخصصة موزّعة Distributed Computing Units يُمكن للحاسوب الاستعانة بها في إنجاز مهام مُحددة لا يستطيع هو القيام بها أثناء عمله على مُشكلة ما. بهذه الطريقة، من المُمكن أن تتحول علاقة البشر مع الحواسيب من "علاقة طُفيلية" يستهلك فيها أحد الطرفين الآخر، إلى "علاقة تكافلية" يشارك فيها البشر والآلات في حل المُشكلات.


هُناك عدة أساليب لتطبيق فكرة الحوسبة البشرية، لكن أريد هُنا التحدُث عن العبقري Luis Von Ahn "لويس فون أهن". ليس فقط لأنه من الروّاد في هذا المجال، ولكن لأنه يستخدمك بالفعل كـ "وحدة مُعالجة بشرية" في مشروعاته بدون أن تعلم!
 

من المؤكد أنك تعرف عن الـ CAPTCHA؛ ذلك الصندوق المُزعج الذي تظهر بداخله كلمات صعبة القراءة ويُطلب منك إعادة كتابتها عندما تقوم بالتسجيل في مُنتدى، خدمة بريد إلكتروني، فيسبوك.. إلخ، ليتأكد من أنك بشري ولست برنامجًا.


لويس هو مخترع ذلك الشيء
في حين أن هذا الاختراع يؤدي وظيفته الأمنية بصورة جيدة جدًا، إلا أن لويس وجد أن كتابة الـ CAPTCHA تستغرق 10 ثوان في المتوسط، وبوجود 100 مليون CAPTCHA يتم كتابتها يوميًا، فإن اختراعه يتسبب في إضاعة 500 ألف ساعة يوميًا من وقت البشرية. وبما أنه لا مفر من استخدامه، هل هُناك أي وسيلة للاستفادة من هذا الوقت الضائع؟ هُنا بالضبط تظهر عبقرية لويس، حيث كانت إجابته هي إعادة اختراع الـ CAPTCHA، فيما سُمي ReCAPTCHA "وهذه هي النُسخة التي تُقابلك".
 

في العادة تتم رقمنة الكُتب الورقية عن طريق مسحها إلكترونيًا "وهو ما يعني ببساطة التقاط صور للصفحات" ثم استخدام أسلوب يُعرف بـ OCR للتعرف على الكلمات في هذه الصور. كُلما كانت الكتب أقدم، كلما أصبحت كفاءة هذا الأسلوب أقل بكثير.
 

لكن ماذا عن البشر؟ قدرتنا على التحليل البصري إعجازية. لا شيء قد يتمكن من الاقتراب منها قبل 15 إلى 20 عامًا من الآن. هذا يعني أنه من وجهة نظر مُشكلة رقمنة الكتب، فمن المُمكن استخدام البشر كمُعالجات ذات قُدرة استثنائية على التعرف على الكتابة مهما بلغت درجة تشوهها، وهذا هو بالضبط ما قام به لويس. بدلًا من استخدام أرقام وحروف عشوائية ككلمات CAPTCHA، أصبح يستخدم كلمات من الكُتُب القديمة التي تفشل الخوارزميات في التعامل معها، وبجمع الإجابات التي يحصل عليها من أكثر من مُستخدم، يُمكنه تحديد الكلمة الصحيحة بدقة شديدة. بهذه الطريقة، بينما تقوم المواقع بالحفاظ على أمنها من المُزعجين، يقوم البشر بالحفاظ على المعرفة البشرية برقمة الكُتُب التي لا تستطيع الحواسيب رقمنتها!
 

في عام 2011، كان عدد الأفراد الذين ساعدوا في رقمنة الكتب باستخدام ReCAPTCHA -دون أن يعلموا- 750 مليون شخص، أو 10% من سُكان الكوكب، وذلك بواقع 200 مليون كلمة في اليوم، أو ما يوازي رقمنة 2.5 مليون كتاب كُل عام، ومجانًا.


"لويس" المدير التنفيذي لدولينجو، بالإضافة إلى أنه يعمل منذ 10 سنوات كأستاذ لعلوم الحاسب بجامعة كارنيجي ميلون -واحدة من أفضل جامعات العالم في مجال علوم الحاسب.

الأمر لم يتوقف هُنا، فالرجل لا تزال في جُعبته الكثير
المُشكلة التالية التي تعامل معها لويس باستخدام هذا الأسلوب هي مُشكلة تسمية الصور والتعرّف على عناصرها، وهي مُشكلة لا تزال مفتوحة في علوم الحاسب "وهو ما يعني أنها مُشكلة غير محلولة إلى الآن". قام لويس باستخدام القدرات البشرية في هذه العمليّة عن طريق تحويل عملية تسمية الصورة إلى لُعبة!
 

فكرة اللُعبة هي عرض صورة ما لشخصين ليس بينهما أي وسيلة للاتصال ببعضهما البعض، ثُم يُطلب من كُل منهما تخمين الكلمة التي سيكتبها الشخص الآخر في وصف الصورة. إذا تطابقت الكلمتان يحصل كُل منهما على نقاط، ويحصل لويس على كلمة مفتاحية دقيقة لوصف الصورة.


المشروع التالي -والحالي- الذي عمل عليه لويس هو ترجمة كُل مُحتوى الإنترنت لكُل لُغات العالم. لم يكن يبحث هُنا عن ترجمة آلية تقريبية، وإنما ترجمة بشرية دقيقة. ولكن كيف بإمكانك تشجيع الناس على فعل ذلك مجانًا؟ بسيطة، قُم بتعليمهم اللُغات، واجعل الجُمل التي يتدربون عليها هي نفس الجُمل التي تبحث عن ترجمتها! وهكذا وُلد موقع دولينجو.
 

نسيت أن أذكر أن جوجل اشترت شركتين من شركات لويس "تلك الخاصة بـ ReCAPTCHA والأخرى الخاصة بلعبة تسمية الصور"، كما أنه هو المدير التنفيذي لدولينجو، بالإضافة إلى أنه يعمل منذ 10 سنوات كأستاذ لعلوم الحاسب بجامعة كارنيجي ميلون -واحدة من أفضل جامعات العالم في مجال علوم الحاسب- على الرغم من أنه عمره الآن لايزال 38 عامًا فقط!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة