كمال العروسي
كمال العروسي
272

الذكرى السادسة للثورة التونسية

19/1/2017
للحظة تركت كلّ القراءات "المعقلنة" ولبست جبّة المتصوّف لحين، فانكشفت لي سياقات أخرى للثورة التونسيّة وقراءات غير التي عهدناها، نقدّم في هذا المقال شيئا من تجلّياتها، فاعذروا جرأتي وخروجي عن المألوف!  تحية لشهداء تونس، تحية الحيّ للأحرار.
في الذكرى السادسة للثورة التونسية نجدّد لشعبنا مباركتنا لانعتاقه من نظام الفساد والإفساد الذي جزّت رأسه ثورة 17 ديسمبر 2010 ـ 14 جانفي 2011 (9 صفر 1432)، ولا تزال ثورتنا المباركة تستكمل اقتلاع عروقه الخبيثة من أرض تونس البهيّة. وكأنّنا في حُلم يولَد بعد طول ليل وخوف ورعب.
 
لقد تمكّن حاكم تونس -بن علي- وعائلته من الاستحواذ على السلطة عقب الانقلاب الأبيض على الرئيس بورقيبة في 7 نوفمبر 1987، ثمّ سرعان ما تحوّل إلى "طاغية" بعدما استتبّ له الأمر، حاكماً بأمره، مُستحوذا هو وعائلته على خيرات البلاد ومُؤسّساتها، مستبيحاً الأرض ومن عليها من عباد.

على مدى عقدين مارس "الطاغية" "ساديًّته" على شعبه، إذ صار يتلذّذ برُؤيته مُتسوّلاً يبكي، مستجديا عطفه في التلفاز، وكانت صور البؤساء التي كان يعانقها تملّقا على اللوحات الإشهاريّة تملأ الشوارع والسّاحات العامّة. على مدى عقدين ظلّ التونسيّون رهائن "للَفْتَتِه الكريمة" و"لصناديقه" المتعدّدة (26-26)، ولم يترك لهم من خيار إلاّ بين "مناطق ظلّ" أو "مناطق ذلّ"!

هي فعلا لحظة ربانيّة تمتدّ لسنوات، وربّما لأكثر من عقد، فهي لحظات كشف مسترسلة ومشهد لا ينقطع تُقام فيه الحجّة، فبخ بخ لأصحاب البصيرة والتبصّر... ولله الحُكم في الأوّل والآخر.
لكنّ "الطاغية" لم يكتف بالفساد في الأرض والتحكّم في رقاب العباد وأرزاقهم فحسب، بل انبرى إلى الفضاء يُريد تمَلُّكَه عندما سمع الآذان منبعثا من المساجد "لا إلاه إلاّ الله" فقال هذا "تلوّث سمعي"(1)! وكان ذلك قبل يومين من انطلاق شرارة أولى ثورات الربيع العربي (2)، وربّما كان ذلك الحدث التاريخي عقوبة ربّانيّة لكلّ من تحدّثه نفسه بعلوّ في الأرض ولكلّ قائل: "إنّما أنا ربُّكم الأعلى فاعبدوني"، قال الله تعالى: "وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ" سورة الزمر (الآية 45).

وكأنّنا بالطاغية في تلك اللحظة عزم على مشاركة اللّه في مُلكه، فجنّد الله له عباداً سرعان ما امتلأت بهم شوارع البلاد، خرجت ثائرة عليه وتناهى هتافهم إلى مسمعه: "الشغل استحقاق يا عصابة السرّاق" و "تونس حرّة حرّة وبن علي على برّه" مذكّرينه في سياق واحد بحقوقهم التي لا يرتجون من عصابة سرّاق تحقيقها!

في الآن ذاته كان يتابع المكالمة الهاتفيّة التي جرت بين رئيس حرسه الرئاسي علي السرياطي وقائد فرقة وحدات التدخّل سمير الطرهوني الذي أوقف أفراد عائلة الرئيس وأصهاره اللائذين بالفرار في مطار قرطاج يوم 14 جانفي 2016 عندما سأله في حنق: "من الذي أعطاك التعليمات؟ تكلّم" فأجابه الضابط بكلّ عفويّة: "ربّي أعطاني التعليمات"(3)، جوابا أربك بن علي وأدخل في قلبه الهلع وقرّر الهروب من القصر في أسرع وقت باتّجاه المطار! وبقي في الجوّ مستغيثا سائلا من يجيره! ولم ينفعه سحرته، ولم يُجرهُ أحدٌ ممّن وَالاَهُم غربا!

فما وجد بعد طول مقام في الفضاء إلاّ جوارًا بمدينة "جدّة" حيث لا ينقطع الآذان وحيث أصحاب اللّحى وصاحبات الحجاب وكلّ ما كره وعمل على استئصاله في تونس، علاوة على تمتّعه برفقة شيوخ الوهّابيّة الذين طالما ناصبتهم نخب حكمه عداء مستحكما.

وقد أصاب حمادي الجبالي -القيادي السابق في حركة النهضة وأوّل رئيس وزراء منتخب بعد الثورة- في توصيفه للثورة التونسيّة بأنّها "لحظة ربانيّة"!، فهي فعلا لحظة ربانيّة تمتدّ لسنوات، وربّما لأكثر من عقد، فهي لحظات كشف مسترسلة ومشهد لا ينقطع تُقام فيه الحجّة، فبخ بخ لأصحاب البصيرة والتبصّر... ولله الحُكم في الأوّل والآخر.
 
__________________________________________________
هوامش: 
-1- رداً على الاقتراح الذي تقدمت به رياض الزغل (عضو مجلس المستشارين)، خلال مداخلة لها يوم الأربعاء 15 ديسمبر 2010- في إطار مداولات مجلس المستشارين زمن حكم بن علي - أكّد وزير الشؤون الدينية في تونس، بوبكر الخزوري، أنه لا يمكن السّماح بما وصفه "بالتلوث الصوتي" الناتج عن التجاوزات في مستوى علوّ صوت الآذان، حيث رفعت وزارته بمنشورين اثنين إلى السلطات الجهوية لتخفيض الصوت إلى حدود 70 ديسيبل.

-2- قام محمد البوعزيزي يوم الجمعة 17 ديسمبر(كانون الأول) 2010 بإضرام النار في نفسه أمام مقر ولاية سيدي بوزيد احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية في مدينة سيدي-بوزيد لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات الولاية قبول شكوى أراد تقديمها في حق شرطية صفعته أمام الملأ. أدى ذلك لانتفاضة شعبية دامت قرابة الشهر أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي وتطوّرت إلى ثورة شعبيّة عارمة شاركت فيها كلّ الجهات وجلّ الشرائح الاجتماعية عملت على الإطاحة ببقايا النظام هيكلاً ورموزا.

-3- حسب الشهادة التي أدلى بها سمير الطرهوني لدى مؤسّسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس، وشهادة عبد الكريم العبيدي رئيس فرقة المتابعة بالإدارة العامة لوحدات التدخّل الواردة في صفحته على الفاسبوك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة