الحكومات المحلية وقود التنمية

24/1/2017
اتسمت المؤسسات العامة في المملكة العربية السعودية، بالمركزية والتضخم في حجمها ونفقاتها، حتى اصبحت تثقل وتيرة النمو. ورغم ما للمركزية من إيجابيات مثل وحدة القرار، وتناسق الأنظمة، والترابط المعلوماتي بين دوائر الدولة، إلا أن سلبياتها بدأت تنغص على المواطنين أحلامهم، وعلى المسؤولين أهدافهم التنموية. فتوزيع الخدمات وتفعيل المواطنين في العملية الإدارية في ضل مركزية الدولة، تكون محدودة في طبيعتها على العاصمة والمدن الرئيسية، وتواجه عقبات من نوع خاص في المناطق النائية والبعيدة.

كما أن الحجم الهائل من التعاملات الحكومية في ظل النظام المركزي، يزيد من صعوبة الرقابة، وبطء الإجراءات وتفشي الفساد، متخفيا تحت الكم الهائل من البيانات والمعلومات. ناهيك عن الهيكل البيروقراطي، والمعاملات الروتينية التي تحتاج إليها هذه المركزية، على ما تسببه من بطء التجاوب مع المتغيرات المجتمعية والاقتصادية. ومهما صورنا دور الدولة في مجتمعنا بتعدد اطيافه واحتياجاته، فإن إدارة هذه الرقعة الديموغرافية الهائلة، تستوجب نفقات تشغيلية متزايدة، في مقابل تباطء الكفاءة والجودة.
 
لن يتمكن التنفيذيون في الدولة، من تحقيق مستويات تخفيض الإنفاق الحكومي المرجوة، دون التضييق على المواطنين في معيشتهم، مالم تتبنى الحكومة المركزية نظاما لتوزيع الخدمات، يجمع بين هدفين، تخفيض الإنفاق، ورفع كفاءة الإنفاق.

يأتي نظام الحكومات المحلية كنموذج إداري داعم للرؤى التنموية، تتجلى فيه أكثر الآليات كفاءة في توزيع الخدمات، والرقابة، والحوكمة العامة. بحيث تقوم كيانات في كل منطقة بالدور الإداري للحكومة المركزية وبالنيابة عنها. تنحصر المساحة التنفيذية لها في حدود مناطقها الإدارية، لتشمل كافة التجمعات البشرية فيها، حتى تلك التي سكنت المناطق النائية، وعادة ما تسقط من خطط التنمية المركزية في العاصمة. كما تتمتع هذه الكيانات في ظل نموذج الحكومات المحلية، بصلاحيات تسمح لها بوضع أنظمة إجرائية محلية، لاستخراج التراخيص التجارية أو العمرانية، ووضع لوائح وقوانين، تتفاعل مباشرة مع المتغيرات الخاصة بالمنطقة.
 

تساهم محلية صنع القرار في الشؤون التنموية إلى تسريع وتيرة العمل، سواء الخاص أو العام، في تحقيق اهداف الرؤى. ذلك أن المسافات اختصرت بين عامل التنمية الرئيسي، وهو المواطن، وبين تحقيق ما يصبو إليه من مساهمات تنموية، سواء بتسجيل مشاريع ومؤسسات صغيرة، أو توثيق براءة اختراع، أو استخراج التصاريح والأذون اللازمة. حيث أن الإجراء الرسمي للمعاملات من هذا الشكل، تبدأ وتنتهي في حدود المنطقة المحلية، منذ الخطوة الأولى من استلام الطلب، وحتى صدور القرار او التصريح.
 

تحتاج الرؤى الاقتصادية والتنموية إلى بيانات دقيقة وشاملة، تمكن أصحاب القرار والتنفيذيين في الدولة من قياس مؤشرات الأداء، وتحديد المسار التنموي. ومن العقبات التي تواجهها الإدارة العامة، وإدارة الأعمال على السواء، عملية جمع البيانات والإحصاءات، لبناء استراتيجيات بعيدة المدى. وتزيد صعوبة الأمر، حينما تكون مساحة العمليات ممتدة على رقعة جغرافية كبيرة. لذلك تلجأ الكثير من مؤسسات الأعمال الكبيرة، إلى تقسيم جغرافية أسواقها، إلى أقسام إقليمية شبه مستقلة. لحقتها في ذلك الكثير من الدول بتقسيم مناطقها الإدارية، إلى كيانات شبه مستقلة.
 

وشمولية دور الحكومات المحلية، يمكنها من جمع بيانات محلية أكثر دقة، فيتعدى تقريرها الصحي مثلا، حجم الخدمات الصحية المقدمة في المنطقة، ومستوى الصحة العامة في المجتمع، ليتطرق إلى العوامل المؤثرة الأخرى، مثل التلوث الطبيعي، والممارسات الصناعية الضارة، والتي عادة ما تسقط من تقارير وزارة الصحة، لكون هذه العوامل خارج تخصصها.
 

لا يمكن تحقيق تحول وطني حقيقي، في أي من مجالات التنمية المرجوة، مالم يلازمه تحول في آلية وفكر الإدارة. ولن يتمكن التنفيذيون في الدولة، من تحقيق مستويات تخفيض الإنفاق الحكومي المرجوة، دون التضييق على المواطنين في معيشتهم، مالم تتبنى الحكومة المركزية نظاما لتوزيع الخدمات، يجمع بين هدفين، تخفيض الإنفاق، ورفع كفاءة الإنفاق. وهذا ما يقدمه نموذج الحكومات المحلية من رفع كفاءة الإنفاق، وسرعة التفاعل مع المتغيرات، وسهولة تذويب العقبات البيروقراطية في طريق التنمية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة