منتصر مرعي
منتصر مرعي
2.8 k

يوميات صحفي في ميدان التحرير

25/1/2017
في ظهيرة يوم 11 فبراير 2011 أصبت بحالة شديدة من اليأس. كان يبدو أننا محاصرون في ميدان التحرير وأنه لا تلوح في الأفق أي بوادر لنجاح هذه الثورة. ورغم أنني كنت أنقل مع زملائي للعالم بثا حيا للحشود الهادرة، إلا أنني كنت كصحفي أحوج ما أكون إلى خبر عاجل.
 

كنت أقلّ صديقي إلى مطار الدوحة يوم 25 يناير عائدا إلى القاهرة. جادلني بأن الشعب المصري لن يفعل شيئا خارجا عن المألوف في هذا اليوم، وعلى هذا الأساس وضع الرهان. في ذلك اليوم بدأت تصلني رسائل من أصدقاء في ميدان التحرير يقولون بأن مظاهرات كبيرة خرجت وبأن شبكة الاتصالات معطلة.
 

تساءل هؤلاء الأصدقاء بغضب عن غياب قناة الجزيرة عن الحدث في لحظاته الأولى، فيما كانت الشرطة تحاصرهم في أزقة ميدان التحرير. كان نداء هؤلاء استنجادا بالجزيرة. لقد غابت الثورة بالفعل عن رادار الجزيرة في ذلك اليوم. ربما أن المعلومات الشحيحة في تلك اللحظة لم تشي بأن شيئا غير عادي يجري في القاهرة.
 

صمود الثوار على مداخل الميدان طيلة الليل وبناء السواتر والمتاريس حال دون وقوع مجزرة، وحال أيضا دون أن تخمد الثورة في مهدها.

بدأت نشرة الحصاد في الساعة 11 مساء بتوقيت مكة المكرمة ولم يكن خبر المظاهرات في مصر ضمن أي من العناوين الرئيسية. مضى نصف الساعة الأولى من نشرة الحصاد لتدرك قناة الجزيرة أن أمرا مهما يحدث في القاهرة. حينذاك، اتصل صديقي الذي وصل إلى القاهرة مساءً وقال لي: "لقد ربحت الرهان.. بدأت الثورة".|
 

تم الدعوة مجددا إلى التظاهر في "جمعة الغضب" يوم 28 يناير بعد أن تجلت صورة مظاهرات 25 يناير. تحولت تغطية الجزيرة تماما صوب ميدان التحرير. كان اللاعب الرئيسي في تغطية الجزيرة هو المواطن الصحفي. وفرت شاشة الجزيرة منصة لعشرات مقاطع الفيديو والصور والأخبار من القاهرة والإسكندرية على وجه التحديد. ورغم محاولة السلطات المصرية شل شبكة الاتصالات وخدمة الإنترنت، إلا أن النشطاء نجحوا في إيصال صوتهم إلى الجزيرة.|
 

كانت مهمتي في غرفة الأخبار جمع مقاطع الفيديو من النشطاء في الميادين. مهمة عسيرة للغاية، وكان إحساسا مفعما بالعجز أن تبقى في غرفة الأخبار متفرجا في أغلب الأحيان بعيدا عن الميدان. لم يكن هذا إحساس صحفي يرغب فقط في أن يكون شاهدا على تحول مهم في التاريخ. كان أيضا إحساس شاب عربي لم يختبر الديمقراطية في حياته ولم يدل يوما بصوته في أي انتخابات نزيهة. كانت تتنازعني في الذهاب إلى ميدان التحرير رغبتي كصحفي، ورغبتي كمواطن في إسقاط النظام.
 

عندما اقترحت قناة الجزيرة إرسالي إلى القاهرة لتغطية الثورة، قبلت بكثير من الامتنان دون تردد. وتم الاتفاق على السفر إلى القاهرة وتأسيس نقطة بث تنطلق إذا ما تم إغلاق مكتب الجزيرة كما كان يشي حدس الجزيرة.
 

في مساء يوم 30 يناير وصلت إلى مطار القاهرة ولم أحمل سوى حقيبة صغيرة كي لا ألفت الأنظار. كانت حالة الارتباك في المطار واضحة. ختمت جواز سفري وخرجت على عجل حيث كان ينتظرني ناشطون بترتيب مسبق. مرت أجهزة البث الصغيرة من المطار بسلام، وكانت بانتظارنا الآن المهمة الأصعب.
 

تكدسنا في سيارة صغيرة وانطلقنا من المطار في الشوارع الخلفية لتجنب حواجز الجيش والأمن. لم يكن بالإمكان الوثوق بأي شخص لأن عناصر الجيش كانت تقوم بالاعتقالات رغم أنها بدت لوهلة ما محايدة. المنطقة الآمنة بالنسبة لنا كصحفيين هي ميدان التحرير. وصلنا بعد رحلة شاقة مليئة بالمزاح للاحتيال على خوفنا العميق. وفي المساء دخلنا ميدان التحرير وبت ليلتي في مكان آمن بعيدا عن أعين النظام.
 

مع الحذر الشديد كانت التغطية عادية حتى صبيحة يوم الثاني من فبراير. احتشد الآلاف من أنصار الرئيس المخلوع حسني مبارك بعد خطاب ألقاه مساء اليوم الماضي. كان كل شيء يبدو طبيعيا إلى أن توجهت تلك الحشود إلى ميدان التحرير. كما توقعت، وقع الصدام العنيف عندما بدأ أنصار مبارك برشق المتظاهرين بالحجارة وقضبان الحديد. كنت على اتصال مباشر بالدوحة عبر الهاتف، وفي ذات الوقت أنقل صور المصادمات العنيفة.
 

ما لبثت أن دخلت خيول وجمال يعتليها "بلطجية" لمهاجمة الثوار في الميدان. كان يوما داميا ومروعا ولا أذكر عدد الشهداء الذي نقلت خبر سقوطهم إلى غرفة الأخبار حتى مطلع الفجر. في الصباح أدركنا حجم الكارثة. كان المصابون في كل مكان، وطواقم الأطباء والمتطوعين تسعف ما استطاعت منهم. المستشفى الميداني الذي أقيم على عجل في فناء إحدى بنايات ميدان التحرير كان يعج بالمصابين، فيما نقل الشهداء إلى المستشفيات. بكيت ذلك اليوم لهول ما رأيت.
 

واصلنا التغطية في ميدان التحرير أياما طويلة وثقيلة خلف الكاميرا. كان برفقتي فريق صغير من الجزيرة: مهندس البث محمد صالحة والمصوران أحمد يوسف ومحمد الزكي.

صمود الثوار على مداخل الميدان طيلة الليل وبناء السواتر والمتاريس حال دون وقوع مجزرة، وحال أيضا دون أن تخمد الثورة في مهدها. في الليلة التي تليها، كانت تتواتر الأخبار بأن هجوما وشيكا سيقع على ميدان التحرير. عندما تختبر الخوف ستخاف أكثر.

في تلك الليلة اضطررنا للمبيت في المستشفى الميداني. افترشنا أمكنتنا دون أغطية بين الجرحى والمصابين وربما القتلى. خيم الذعر على الميدان ولم أغمض جفني بسبب صراخ أحد المصابين بقربي طيلة الليل. كان مريضا بالصرع، ولأن الميدان محاصر، لم يستطع أحد الخروج أو الدخول لجلب الدواء. لا أعرف كيف طلع الصباح ذلك اليوم. لم تغادرني صورة الشاب المصاب بالصرع، وكان عليك كصحفي أن تتناسى متعمدا كل مشاهد الدم والخوف داخل ميدان التحرير لتواصل تغطيتك المهنية والمحايدة.
 

كان الهروب من عناء يوم طويل هو استقطاع لحظات من التغطية الإخبارية والشرود.. أن تتخيل أمام هدير المتظاهرين مشهد البحر. وجود هؤلاء داخل ميدان التحرير كان كفيلا بتخفيف وطأة الحصار. وبين البث المباشر كل يوم والتجول في الميدان، كنت ألتقط حكايات المتظاهرين من كل الاتجاهات السياسية.

لست مصريا ولكن كان هؤلاء المتظاهرين يشبهونني في حكاياتهم وأشبههم. يلزمك عملك كصحفي أن تترك مسافة بين مشاعرك وعملك المهني، أن تقف على الحياد بين متظاهرين رفعوا شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" وبين النظام نفسه. كان خيطا دقيقا يتلاشى أحيانا، وصراعا ينتابك كل يوم بين ثائرين مسالمين طالبوا بالكرامة والحرية، وبين مستبد أنهك العباد والبلاد. يقول زميلي في غرفة الأخبار ماجد عبد الهادي "الحياد هو نوع فاجر من أنواع الانحياز، يضع القاتل والضحية على قدم المساواة"، ولم أجد أفضل من ذلك تعبيرا عن موقفي دون مجافاة للحقيقة، والاستبداد ليس وجهة نظر.

واصلنا التغطية في ميدان التحرير أياما طويلة وثقيلة خلف الكاميرا. كان برفقتي فريق صغير من الجزيرة: مهندس البث محمد صالحة والمصوران أحمد يوسف ومحمد الزكي. التحق بنا في وقت لاحق مهندس البث وسيم الشويكي ومحرر الصور لؤي العجلوني. كان فريقا رائعا وشجاعا يعمل بلا انقطاع لمواصلة البث الحي الذي يشاهده العالم عبر شاشة الجزيرة. اختارت بعض وسائل الإعلام اعتلاء أسطح المنازل، واختار فريق الجزيرة تثبيت الكاميرا داخل ميدان التحرير ووسط المتظاهرين.
 

لم يتسع سطح محل الحقائب "نجمة التحرير" لهذا الفريق الصغير، ولكنه احتملهم طيلة فترة التغطية. كنا نخشى أن يسقط السطح المتهالك قبل أن يسقط النظام. ومع مرور الأيام كانت حشود المتظاهرين تزداد ولكن كانت أيضا الأخبار السيئة تصل من خارج ميدان التحرير. النظام يبدو متماسكا رغم اتساع المظاهرات وموقف الجيش لم يكن واضحا في الانحياز للثورة.
 

كان يوم 11 فبراير بعد خطاب مبارك أبعد ما يكون عن نجاح الثورة، ولكن الحشود التي انضمت إلى المتظاهرين في ميدان التحرير لصلاة الجمعة فاقت التوقعات.

كان يشاع في ميدان التحرير أن الرئيس محمد حسني مبارك سيلقي خطابا يعلن فيه تنحيه عن الحكم ولكن وقع العكس. انتابت المتظاهرين خيبة وغضب كبيرين عندما ظهر مبارك مساء يوم 10 فبراير في خطاب متلفز للشعب يرفض فيه التنحي ويفوض صلاحياته لرئيس المخابرات العسكرية عمر سليمان.

كان يوما حزينا لم يجلوه صباح اليوم التالي. لم أستطع أن أخفي قلقي ويأسي في ذلك اليوم، وتساءلت كم سيصمد المتظاهرون في ميدان التحرير. كان يوم 11 فبراير بعد خطاب مبارك أبعد ما يكون عن نجاح الثورة، ولكن الحشود التي انضمت إلى المتظاهرين في ميدان التحرير لصلاة الجمعة فاقت التوقعات. يبدو أن خطاب مبارك أفضى إلى نتيجة معاكسة، وحتى مساء ذلك اليوم كان الهتاف يدوي في الميدان" الشعب يريد إسقاط النظام". سقط النظام.
 

كانت تفصلني عن ذكرى مولدي أيام قليلة ولكن في ذلك اليوم ولدت من جديد. كنت شديد الامتنان لهذه الحشود في الميدان ولقناة الجزيرة التي وضعتني على هذا المسار في حياتي. السارق لا يسرق إلا في العتمة، وكاميرا الجزيرة في ميدان التحرير كانت بمثابة الضوء كي لا تمتد يد السارق ويسرق الثورة.
 

بدأت بحزم حقائبي بعد أسبوع للعودة والاحتفال بنجاح تغطية الجزيرة بين عائلتي وزملائي في غرفة الأخبار في الدوحة. وليلة السفر وصلني هاتف من غرفة الأخبار في الدوحة: اندلعت الثورة في ليبيا، هل أنت مستعد للذهاب؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة