يوسف المقيد
يوسف المقيد
1.1 k

من ينتصر.. العين الحراقة أم الله؟

3/1/2017
من ينتصر.. الحسد أم الله؟ سؤال لا بد أن يوجه لكل من يتخفى ويختبئ من أعين الناس خوفاً من الحسد، بل ويحض الآخرين لإخفاء الأشياء الجميلة التي يملكونها لئلا تصيبها عين، أو يحسدها ذو قلب ضعيف. وترى المتوكلين على الله يخافون من الإفصاح عن نعمه أو نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي ليس من الحسد، بل من كمّ نصائح الأصدقاء -بعضها فجة وقاسية- بإخفاء تلك النعم والتستر عليها.


البعض يقول إن العين حق، لكن من الجيد أن يعلموا أن الحسد ورد في القرآن أربع مرات فقط، بينما يعج الكتاب المحكم بعشرات الآيات التي تتحدث عن قدرة الله وقوته فهو الحفيظ القوي المهيمن الولي القادر المقتدر الوالي المانع. ويعمد أولئك الخائفون من الحسد وقد منّ الله عليهم من فضله سواء كان طفلاً ذكياً وجميلاً، أو سيارة حديثة، أو منزلاً فارهاً إلى إخفائها قدر الإمكان، مستندين إلى مبدأ تقليل التعرض للبشر، لإضعاف احتمالية الإصابة بعين حسودة.
 

إن الله يحذرنا من الحسد لكي نستعيذ به ونركن إلى قوته وحفظه وحمايته، لا أن نختبئ ونخفي ما أنعم الله به علينا.

إلا أن مبدأ التخفي والاختباء غير واقعي على الإطلاق، فهذا التكتيك يعجز مثلا عن حماية سيارة جميلة تجول الشوارع أمام مئات الناس، فكيف لصاحبها أن يحميها من الحسد؟ وكذلك الطفل النبيه الجميل مهما أُخفى عن أعين الناس، سيضطر أهله يوما لأن يرسلوه إلى المدرسة ليتعرض وبشكل يومي لآلاف الأعين، فكيف سيحمونه إذن؟ وعلى الرغم من أن الحسد موضوع غيبي لا يمكن لأحد التثبت من تبعاته؛ إلا أن البعض يكاد يقسم بكل أسماء الله أن الحادث الفلاني وأن المصيبة العلانية ما كانت لتكون لولا عين حاسد.


لا أزعم أني متخصص في المجال الشرعي؛ لكن نظرة بدهية للآيات تفهمنا أن الله يحذرنا من الحسد لكي نستعيذ به ونركن إلى قوته وحفظه وحمايته، لا أن نختبئ ونخفي ما أنعم الله به علينا. لكن كثيرا من الناس يؤمنون قولاً بأن آيات الله تحمي من الحسد، وعلى أرض الواقع يخافون من أعين الناس ويخبؤون أطفالهم وأعز أملاكهم، وكأن الحسد ينتصر على حفظ الله وقوته.

وهذا السلوك مخالف لسنة رسول الله والذي ورد عنه في الصحيح، أنه كان يعوّذ الحسن والحسين بكلمات الله التامة من كل عين لامة، بينما كان يصطحبهم معه - أمام أعين الناس- إلى المسجد ولا يجد حرجا أن يراهم الناس ولا يخاف عليهم من عين أو من حسد.


ولعل قصة سيدنا يعقوب مع أولاده تضع حداً للجدل حول هذا الموضوع، إذ أمرهم أبوهم بالدخول إلى مصر من أبواب متفرقة، خشية الحسد كما قال مفسرون، إلا أن الله قال: "وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا". وإذا كانت حاجة سيدنا يعقوب هي حقا الخوف من الحسد، فإن الاختباء لا يغني عن فاعله من الله من شيء، وهنا يجب أن أعود وأتساءل لكل مَن يجابه الحسد بالتخفي والاختباء.. يا هذا: الله أم الأعين الحراقة؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة