بين التعليم والتسويق

4/1/2017
التعليم رسالة والعلماء ورثة الأنبياء مقولة قديمة عشنا عليها سنينا واعتمدنا عليها في تعليم أبنائنا وتثقيفهم وبناء منظومتهم الفكرية والعلمية والأخلاقية، حيث استندت على ضمير المعلم الذي افترضنا أنه يقدم للطالب علماً وخلقاً وسلوكاً نابعاً من القيم والسلوك التي تربى عليها لينقلها إلى أبنائه الطلاب في الوقت الذي كان المعلم يقف في مقدمة مصادر الثقافة للطالب والمجتمع.

حين كان المعلم يفسح له في صدر المجلس وينصت له الجميع ويستعين به الآباء لتقويم سلوك أبنائهم وينتدبه أهل القرية لفض منازعاتهم والتحكيم فيما اختلفوا فيه، ولا تزال تلك القصة التي نسمعها بالصيغة والكلمات من أبناء الرعيل الأول حول احترام المعلم وتقديره من مختلف المشارب والبلاد عندما يزفر الأربعيني أو الخمسيني تلك الزفرة وهو يقول "والله كنا نهرب من المعلم ونختبئ خوفا منه إذا مر بالشارع" وترد عليه بنفس الرد التقليدي "صحيح كلامك اختلفت الأجيال".

نظل في عالمنا العربي نعاني من الهوة الثقافية في جيل لا يأخذ من أدوات العصر إلا ما يبعده عن ثقافته وفكره لتتوارث الأجيال هذه الأخطاء من جيل إلى جيل.
توقفت حكاية الهروب الكبير ولم يعد المعلم يُفسح له ولا حتى في مقاعد الباص وأصبح يقف في آخر الصف ولم يعد مصدراً للثقافة بعد أن أصبح الحصول على المعلومة لا يحتاج أكثر من "جوجلها" وينتهي الأمر.

بقي التعليم في بلادنا يراوح مكانه معتمداً على اجترار المعلومة كما تفعل الماشية حين تحتاج إلى بعض ما خزنته في أمعائها من خشاش الأرض لتقتات به، وتخلى بعض هؤلاء المعلمين عن كونهم ورثة الأنبياء وعن رسالتهم النبيلة حين ضاقت بهم الحال واتجهت المجتمعات للنظرة المادية البحتة، وضعفت المنظومة الفكرية والأخلاقية وما عاد المعلم قادراً على تأمين قوت عياله واحتياجاتهم في ظل عالم استهلاكي تحولت فيه الكماليات إلى ضروريات بفعل ماكينة الترويج والتسويق والتحكم بالأمزجة والأولويات.

وإذا نظرنا إلى الجانب الآخر من هذه المجرة فسوف نجدهم قد خرجوا من هذه البوتقة واتجهوا إلى تجويد التعليم ليصبح نوعا من أنواع التسويق ومهاراته، حيث تحول المعلم إلى مزود للخدمة التعليمية ويتمتع بما يتمتع به رجل المبيعات من مهارات البيع والترويج لمنتجه من أجل إرضاء العميل "الطالب" وتقديم أفضل خدمة له من خلال التدرب على التعرف على أنماط شخصيات عملائه من الطلبة واحتياجاتهم ورغباتهم لاجتذابهم، فيتم إخضاعه لبرامج تدريبية في تطوير الذات ومهارات التواصل ولغة الجسد.

وكما يحرص القائمون على عمليات البيع والتسويق على تزويد فريق عملهم بكل ما هو جديد في عالم التسويق ومهارات البيع وتحسين منتجاتهم من خلال التقييم ومتابعة عملائهم وحل مشاكلهم، كما يحرص القائمون على التعليم على تقييم برامجهم وإتاحة الفرصة للطالب والمعلم وولي الأمر على إبداء الرأي وتقديم التغذية الراجعة فيما يقدم لأبنائهم. 

ما بالنا نقف عاجزين عن التنافس والترويج لمنتجات التعليم عندما يتعلق الأمر بفلذات أكبادنا وغير قادرين على تقديم معلم مزود بكل مهارات التعامل مع صناع مستقبلنا وقادة مجتمعاتنا فما يلبث خريج الجامعة أن يستلم شهادته حتى يتجه لممارسة أي عمل لاعلاقة له بالتعليم أو التدريس أو التربية، في انتظار أن تحين له فرصة التعيين في إحدى المدارس بعد طول انتظار لينخرط في سلك التعليم بلا أي أدوات أو مهارات أو حتى معرفة بأدنى مقومات التعامل مع الفئة العمرية التي سوف يقدم لها خدمته التعليمية لتبدأ رحلة الأخطاء في حق أبنائنا.

وكما قالوا "إن كان خطأ المهندس يقع على العارض وخطأ الطبيب يدفن تحت الأرض، فإن خطأ المعلم يمشي على الأرض" هي أخطاء تتوارثها الأجيال على الصعيد العلمي والفكري لينتج لدينا تركيبة نفسية غير سوية بسبب تعامل لا تربوي من معلم لم يجد من يزوده بمهارات التعامل أو الحوار مع المواقف التربوية المختلفة التي سوف تواجهه، وما بين مفهوم لم يقصد ومقصود لم يفهم تتوه أجيالنا في عالم متخبط من سوء المعرفة وسوء المعاملة ومواقف تحفر في الذاكرة لتنتج أجيالا تحتاج لعقود لإعادة تأهيلها نفسياً ومعنوياً.

لقد شبعنا هزائم وانتكاسات على مختلف الأصعدة، وقد آن الأوان لنرتقي بالتعليم من مرحلة إعطاء المعلومة وتكريرها.
بينما نجد ونرى ونتابع ونتحسر ونحن نرى شعوباً ودولاً لا تمتلك ما نمتلك من ثروات وقدرات تعمل بجد وجهد بلا كلل لتبني عقول أبنائها مرتكزةً على أبحاث تربوية يقودها علماء ومتخصصون في علم النفس والتربية بالتوازي مع مراكز أبحاث علمية لتجسير الهوة بين الطلاب الذين يتلقون العلم على مقاعد الدراسة.

وبين التطور العلمي المتسارع الذي يحتاج لتطور عقلي قادر على التحكم بكل خيوط التقنية والتقدم العلمي فتختفي بذلك الفجوة الحضارية ما بين تقدم صناعي مطرد وتقدم ثقافي قادر على القيادة والتحكم بكل أدوات العصر ومنجزاته فتستمر عجلة التفوق والتقدم، بينما نظل في عالمنا العربي نعاني من الهوة الثقافية في جيل لا يأخذ من أدوات العصر إلا ما يبعده عن ثقافته وفكره لتتوارث الأجيال هذه الأخطاء من جيل إلى جيل وندور في حلقة مفرغة من تحميل المسؤوليات، فالطالب يحمل المعلم مسؤولية إخفاقه، وولي الأمر ينتقد الأنظمة والقوانين التي أدت إلى فشل ابنه، والمعلم يحاكم (الجيل المستهتر) غير القادر على تحمل مسؤولياته، وندخل في دوامة البيضة والدجاجة والنتيجة هي أجيال تائهة ما بين حضارة مادية لم يستوعبوها ومنظومة فكر وثقافة لم يتشربوها، فيصدق فينا قول نزار قباني:

أنعي لكم يا أصدقائي اللغة القديمة
والكتب القديمة
أنعي لكم
كلامنا المثقوب كالأحذية القديمة
ومفردات العهر والهجاء والشتيمة
أنعي لكم
نهاية الفكر الذي قاد إلى الهزيمة 

لقد شبعنا هزائم وانتكاسات على مختلف الأصعدة، وقد آن الأوان لنرتقي بالتعليم من مرحلة إعطاء المعلومة وتكريرها إلى تدريب يغير من السلوك ويرتقي بأبنائنا وهم بإذن الله قادرون على هزيمة الهزيمة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة