الغيرة.. لعنة الأنثى

9/1/2017

الغيرة هي اللعنة السرمدية التي قُذفت في قلب الأنثى، حبلُ سحرٍ هاروتيّ أُحكمت عُقَدُه مِن الأزل، ما إن ينفثَ فيها نافثٌ حتى تشتعلَ النّارُ أبدًا، ولا يكادُ يحلُّ عقدها راقٍ ولا يُنجي منها حِرز.

 

 كثيرًا ما تجذبُني تلك الأبياتُ التي تصفُ عملَ الغيرة في الإنسان الهشِّ، وكلّما وقعتُ على صورة ظننتُ أنّ صاحبها قتلَ الحالة وصفًا، ثمّ يأتي وصفٌ يجُبُّ ما قبله، وأكثر مَن تحدّث عن الغيرة كان من الشعراء الرّجال، حالَ الشعر الذي احتكره الرّجال إلّا قليله، لكنّهم أجمعين في حديثهم عن الغيرة يتقمّصون حالة نِسويّة محضة؛ فالغيرةٌ عند الأنثى لها دوافعُ فطريّةٌ؛ إذ علمت أنَّ الرجالَ مجبولو القلوبِ على التّعدد عمليًا ونفسياً، وظهر ذا في تشريعٍ أباحه الله لهم، بينما هي إذا أحبّت كانت خالصة للمحبوب خلوصاً أبدياً ما ذرَّ شارق وما اشتاقَ الوصال عاشق، فما حديث الرجال إذن عن الغيرة إلا ضربٌ من ترفِ عيشِ الحالة الأصلية، والغيرة قوام الحب لا يستقيم دونها:

 

 إنَي أَغَارُ عَلَى الْعُيونِ وَلَا هَوًى

إِلَّا إِذَا كَانَ المُحِبُّ غَيُورًا

وَلَوِ اِسْتَطْعَتُ خَبَأتُهنّ بِنَاظِرِي

وَجَعَلْتُ أَهدَابَ الْعيونِ سُتُورا

 

ولا تقتصر الغيرة على كونها من الأشخاص بل تتجاوزها إلى فضاءٍ أرحب، إلى أيِّ شيءٍ قد يمسُّ المحبوب حسّا ومعنى؛ يقول داود الأنطاكي:

 

نَظْرَتُ إِلَيها وَالسّواكُ قَدِ اِرْتَوَى

بِرِيقٍ عَليهِ الطَّرْفُ مِنِّي بَاكي

تُردِّدهُ مِن فَوقِ دُرٍّ مُنَضَّدٍ

سَنَاهُ لِأَنْوَارِ البروقِ يُحَاكِي

فَقُلتُ وَقَلبي قَد تَفَطّر غيرةً

يا ليتني قد كنتُ عُودَ أَرَاكِ!

 

أغارُ من نَسْمَةِ الجَنوبِ على مُحيَّاكَ يا حبيبي

وأحْسِدُ الشمسَ في ضُحاها وأحْسِدُ الشَمسَ في الغروبِ

يا لَيْتَني مَنْظَرٌ بديع تُطيلُ لي نَظْرَةَ الرَقيبِ

وليتَني طائرٌ شَهيٌ أشْدو بأنغامِ عَنْدَليبِ

أظَلُ أَسْقيكَ مِنْ غِنائي سُلافَةَ الروحِ والقلوبِ

فالغيرة تعبيرٌ عن رهافةِ حِسٍّ تخدشه أرقُّ الشكوك والأوهام؛ فهناك غيرة من السواكِ عملِه، وهاهنا غيرة من النسيم، وخشية من خيالٍ ما يزور المحبوب ليلًا:

 

 إنّي أَغَارُ مِنَ النّسيمِ إِذَا سَرَى

بِأَرِيجِ عَرفِكَ خَشْيَةً مِن نَاشقِ

وَوِدتُ لَوْ سَهِرَتْ جُفُونِيَ دائمًا

حَذَرًا علَيك مِنَ الْخَيَالِ الطَّارِقِ

 

ولا عجب إذن أن تكون العيرة على اسم المحبوب، الترتيل المقدّس:

 

 وَأُنزّهُ اِسمكَ أَن تَمُرَّ حُرُوفُه

مِن غَيرتِي بِمَسَامِعِ الْجُلَّاسِ

فأقولُ: بعضُ الناس، عنك كِنَايَةً

حذرَ الْوُشَاةِ وَأَنْتَ كلُّ الناسِ

 

فعلى هذا تكون الغيرة قسمين؛ الأول غيرة منطقية وهي الغيرة على الأشخاص من الأشخاص والثانية غيرة مجنونة وهي الغير على الأشخاص من أي شيء، وأعتقد أنَّنا ورثنا الشِّقَّ الثاني من الغيرة عن أمِّنا حواء يومَ أن نزلت إلى الأرض ولم يكن فيها من بشر سواهما فممَّ تغار! ولا نساء في عصرها يؤرّقنَها ويلهبـْنَ أضلاعها؟

 

إلّا أنَّ أمَّنا سابقتنا باستئثار البداية لنفسها - البحث عن البدايات مضنٍ!، كم كانت محظوظة حواء إذ تفرّدت وحدها بلذة البدايات، ثم سكن صوتها في كلّ قولٍ وشعورٍ كان بعدها، حتمًا كانت تغارُ عليه منه.. منها، كما ولّادة:

 

 أغارُ عَلَيكَ مِن نَظَرِي وَمِنِّي

وَمنكَ وَمِن مَكَانِكَ وَالزَّمَانِ

وَلَو أَنِّي خَبَأَتُك فِي جُفُونِي

إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ مَا كَفَانِي!

 

وَقد قال عن هذا المعنى أَبو تَمام:

 

 بنفسي مَن أَغَارُ عَلَيهِ مِنِّي

وَتَحْسُد مُقْلَتِي نَظَرِي إِليهِ

وَلَو أَنِّي قَدَرْتُ طَمَسْتُ عنه

عيونَ النَّاسِ مِن حَذَرِي عَلَيهِ

 

أو ربّما كانت غيرتُها أعمق، فاستطاع الخبزأرزي   الغوص إليها والتعبير عنها، فقال:

 

إنّي لِأَحسدُ مُقلتيَّ عليكا

حتى أَغُضَّ إذا نظرتُ إليكا

وأراكَ تنظرُ في شمائلك التي

 هي فِتنتي فأغارُ مِنك عليكا

ولو اِستطعتُ جرحتُ لفظكَ غيرةً

إنّي أَرَاهُ مُقبّلاً شَفَتَيكا!

 من لُطفِ إِشفَاقِي وَرِقّةِ غَيرتي

إِنّي أَغار عليكَ مِن مَلَكيكا

 

إذن هذه الغيرة اللامنطقية هي ميراثنا العتيق من حواء التي لم تجد ما تغار عليه منه فاصطنعت أمورًا تغارُ منها، في الكثير مِن الأبيات إلحاح كبير على الغيرة على العيون ومنها ربّما لأنها المقتل، ومنها البداية.

 

 وعلى حينِ غرّةٍ من تلمّس آثار غيرتهم يأتيك صوت أمّ كلثوم يكملُ المشهدَ ويصل الحاضر بالماضي ويجدل غيرة الغابرين بغيرة اللاحقين:

 

نَظْرَتُ إِلَيها وَالسّواكُ قَدِ اِرْتَوَى بِرِيقٍ عَليهِ الطَّرْفُ مِنِّي بَاكي

تُردِّدهُ مِن فَوقِ دُرٍّ مُنَضَّدٍ سَنَاهُ لِأَنْوَارِ البروقِ يُحَاكِي

فَقُلتُ وَقَلبي قَد تَفَطّر غيرةً يا ليتني قد كنتُ عُودَ أَرَاكِ!

أغارُ من نَسْمَةِ الجَنوبِ

على مُحيَّاكَ يا حبيبي

وأحْسِدُ الشمسَ في ضُحاها

وأحْسِدُ الشَمسَ في الغروبِ

 يا لَيْتَني مَنْظَرٌ بديع

تُطيلُ لي نَظْرَةَ الرَقيبِ

وليتَني طائرٌ شَهيٌ

أشْدو بأنغامِ عَنْدَليبِ

أظَلُ أَسْقيكَ مِنْ غِنائي

سُلافَةَ الروحِ والقلوبِ

 

ويتسلل إلى جمر قلبك ما غنَّاهُ محمد عبد الوهاب ثمَّ أحياه عبّادي الجوهر مُشجِيًا:
أغارُ من قلبي إذا هـام بلقيــــاك

فأنتِ المنى والروح، كيف أنســـاك؟
 

وعنده تدرك أنَّ التّغنيَ بالغيرة لحنًا شهيٌّ باعثٌ لمعانيَ فوق اللغة، وأنَّ اللحن قد ينسجُ بردةً تضعها الغيرةُ على بدنها المكتنز فتتسربل بالجمال اللئيم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة