أحمد مختار
أحمد مختار
847

دي بروين يتحدى الملل

5/10/2017

وجه طفولي مثل هؤلاء الذين عرفناهم منذ زمن في أفلام هوليوود، بلا ملامح حقيقية، لا تعرف إذا كان سعيدا أم حزينا، هادئ وبارد ومن الصعب استفزازه أو حتى إثارته. كلما أشاهده أتذكر ذلك الفتى بطل الفيلم الشهير "وحيد في المنزل".

 

المفارقة أن الثنائي يحمل نفس الاسم، كيفين، لكن الأول مكاليستر مشاغب لا يتوقف عن الحركة والبحث عن مشكلات، بينما الآخر دي بروين أشبه بالحمل الوديع، ذلك الصديق الطيب الخامل الذي لا تسمع له صوتا، لكنه يكون في ظهرك عندما تحتاجه، وتجده بجوارك وقت الشدة حتى إذا لم تطلب منه، هكذا يبدو البلجيكي من الوهلة الأولى لي كمشاهد أتابع تفاصيل وجهه من بعيد لبعيد، لكنه داخل الملعب أبعد ما يكون عن هذا السكون الظاهري، إنه كالسهم، يملك قدما من فولاذ، وسرعة في التصرف حتى قبل أن تصل له الكرة، مع قرار حاسم قاتل لخصمه من أول لمسة.

 

يعتبر كيفن دي بروين نموذجا مثاليا للنجم المفضل بالنسبة لغوارديولا، لأنه يرضى باللعب في أي مركز، يستمع إلى التعليمات بحذافيرها، منضبط بشدة داخل ميدان التدريب، وشديد التضحية من أجل زملائه وفريقه

رويترز
 

(1)

"لديه الجودة، التفاني في العمل من دون كرة، الركض بلا ملل ولا تعب، والذكاء اللازم للتعامل تحت الضغط"، يقول بيب غوارديولا هذا الكلام عن دي بروين، البلجيكي الذي يتمتع بأذن صافية، يستمع إلى التعليمات بشكل جيد جدا، لينفذ ما يُطلب منه داخل الملعب بصورة مطابقة، لا يتفلسف ولا يحاول أن يستعرض في إطار غير صحيح. منتج جدا في النهاية، يسجل الأهداف ويصنعها، يمرر إلى زملائه فرصا ذهبية، يعود إلى الدفاع ويتحول إلى الطرفين، يجيد اللعب في 4-5-6 مراكز دفعة واحدة، يرى المساحات بشكل جيد، ويملأ الفراغ الشاغر في الوقت المناسب، بكل حيادية صاحب الوجه الشاحب لاعب متكامل بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى.

 

غوارديولا أستاذ في عالم التدريب، لا تعني هذه الكلمة أنه أفضل من غيره أو أعلى منهم مرتبة، ولكنها تأتي كنتاج فعلي للمقارنة بين مصطلحي "الأستاذ والمدير" في عالم التكتيك، فالأول يطلب من لاعبيه بصيغة قريبة من الأمر، يتحدث معهم في أدق التفاصيل الخططية، يُرهقهم ويُتعبهم داخل الملعب وخارجه، ويفضل دائما أن تكون حركتهم وفق ما يريد هو فقط، بينما المدير شخص مهتم بوضع الإطار العام فقط، يتحدث عن الخطة والاستراتيجية وأسلوب اللعب، مع ترك حيز واسع لكل لاعب، إنه صديق النجوم، الإيطالي كارلو أنشيلوتي على سبيل المثال.

 

يقود بيب رجال القسم الأول، إنه المدرب الذي أمر هنري بالخروج من الملعب، لأن الفرنسي الكبير تحرك بشكل ارتجالي عكس تعليمات المدير الفني، ورغم أنه سجل هدفا في النهاية فإن هذا التصرف لم يعجب الفيلسوف، ليأمره بالتغيير فورا. يحكي الغزال الفرنسي هذا الموقف عبر شبكة "سكاي" بشيء من الفخر والاعتزاز بقائده، عكس زلاتان إبراهيموفيتش الذي انزعج من هذا النظام الصارم، ليقول عن برشلونة في كتابه: "فريق أشبه بالمدرسة، تجد تشافي وإنيستا وميسي، هؤلاء النجوم الأباطرة أقرب إلى طلاب الفصل، يأتون إلى التدريب وينفذون كل ما يطلبه مدرسهم غوارديولا من دون التفوه بأي لفظ اعتراضي".

 

ربما كان هذا السبب هو الأساس لعدم القبول المتبادل بين بيب وإبرا، فالكاتلوني أبعده تماما عن المشاركة بعد فترة، والسويدي طلب الهبوط في أول محطة. في المقابل، يعتبر كيفن دي بروين نموذجا مثاليا للنجم المفضل بالنسبة لغوارديولا، لأنه يرضى باللعب في أي مركز، يستمع إلى التعليمات بحذافيرها، منضبط بشدة داخل ميدان التدريب، وشديد التضحية من أجل زملائه وفريقه.

 

ربما كيفن دي بروين ليس أكثر مهارة من دافيد وبرناردو سيلفا، وبكل تأكيد لا يملك قوة فرناندينيو وحسم أغويرو، لكنه أكمل لاعبي السيتي بالمجمل، من حيث الأرقام والإحصاءات والمجهود والقيمة الفنية والإعلامية

رويترز
 

(2)

في أي مركز يلعب كيفن دي بروين؟ وجدت نفسي محاصرا بكم هائل من الإجابات عند تعرضي لهذا السؤال، السهل ظاهريا والمعقد داخليا. فالبلجيكي صانع لعب وجناح في نفس الوقت، إنها تلك الحالة التي صنعها مسعود أوزيل ودافيد سيلفا وخوان ماتا وغيرهم، مجموعة الأجنحة المهارية التي بدأت مسيرتها على الخط، ثم تحولت إلى العمق من أجل صناعة اللعب فيما بعد، خصوصا بعد انتشار خطة لعب 4-2-3-1 في ملاعب أوروبا، ليصبح صانع اللعب أقرب إلى المهاجم المتأخر، يتمركز أمام خط الوسط وبين الجناحين، يصنع الفرص لزملائه ويسجل الأهداف عندما تأتيه الفرصة.

 

ولعب دي بروين هذا الدور بامتياز أثناء فترة وجوده مع فولفسبورغ بعد طرده من جنة تشيلسي بواسطة جوزيه مورينيو، البرتغالي الذي لم يتحمس لقدرات اللاعب واتهمه بالكسل والقصور في أداء الواجبات الدفاعية. واستمر كيفن على نفس المنوال حتى قدوم غوارديولا، ليلعب المدرب الجديد بخطة مزيج بين 4-3-3 / 4-1-4-1 في موسمه الأول، لكن مع عودة الرقم 17 بضع خطوات إلى الخلف، ليبتعد عن مركز الجناح المائل وصانع اللعب الصريح، ويتحول إلى منطقة الوسط على مقربة من لاعبي الارتكاز.

 

في رائعة "قلب الهرم" يتحدث الكاتب في فصل كامل عن كرة القدم الأرجنتينية ومونديال 74، وقتها قرر البوهيمي سيزار مينوتي اللعب بخطة 4-3-3 على الطريقة اللاتينية، بوجود لاعب ارتكاز عميق، وثنائي متحرك بشكل متناغم أمامه، ماريو كيمبس وقتها حصل على دور لاعب الوسط الثالث المكمل بالهجوم، بينما أوزفالدو أرديليس كان همزة الوصل بين الثنائي، لاعب الارتكاز الدفاعي ونظيره الهجومي، مع حركة نشطة في وبين الخطوط، ودي بروين أعاد تعريف هذا المركز من جديد مع سيتي العام الماضي، حيث إن سيلفا هو الرقم 10 بالتشكيلة، بينما دي بروين أقرب إلى لاعب المركز 8.

 

يعاني الألماني غاندوغان من إصابات متتالية، ودي بروين هو أفضل بديل له، لأنه مميز في التمرير القصير، ويجيد لعب الكرات البينية من سابق خبرته كصانع

تكرر الأمر هذا الموسم على نحو أكثر دقة بعد تعاقد السيتي مع أظهرة جديدة، وإغلاق مواطن الضعف أسفل الأطراف، ليتفرغ لاعبو الوسط إلى الأهم، وهو تمرير الكرات مع التموضع المثالي لتحريك الخصم وإجباره على ترك فراغات بالقرب من المرمى، لذلك كلما ذهب كيفن إلى اليمين دخل سيلفا في العمق على مقربة من فرناندينيو، وفي حالة عودة البلجيكي إلى الوسط الدفاعي للمساهمة في البناء من الخلف يصعد زميله الإسباني إلى الأمام بالقرب من رأس الحربة، بالإضافة إلى تبادل المراكز على الرواقين في بعض المناسبات، لدرجة أن دي بروين صنع أكثر من هدف عند وجوده بالجبهة اليسرى، البعيد عنها تماما على الورق.

 

- رقميا، صنع دي بروين 24 فرصة للتسجيل في 7 مباريات بالبرميمرليغ، نسبة 41.7% من اليمين، و16.7% من اليسار، 41.6% من العمق، لاعب الكل في الكل.

 

(3)

ربما كيفن دي بروين ليس أكثر مهارة من دافيد وبرناردو سيلفا، وبكل تأكيد لا يملك قوة فرناندينيو وحسم أغويرو، لكنه أكمل لاعبي السيتي في المجمل، من حيث الأرقام والإحصاءات والمجهود والقيمة الفنية والإعلامية. واستخدم غوارديولا لاعبه مؤخرا بطريقة غير تقليدية بعد وضعه في المركز 6 بالملعب كلاعب ارتكاز مساند على مقربة من دائرة المنتصف، في حالة اللعب بثنائي هجومي في الثلث الأخير، وتحته ثنائي آخر متحرك، فالسيتي أحيانا يضع كلا من أغويرو، جيسوس، ساني، وسيلفا في الأمام، وبالتالي يحتاج إلى لاعب آخر بجوار فرناندينيو حتى يصعد بالكرة من الثلث الأول إلى الثالث، دون الحاجة إلى إرهاق الظهيرين بمهام إضافية غير تمديد الملعب عرضيا وخلخلة دفاعات الخصوم.

 

لا أفضل من وصف المحلل جوناثان ويلسون عنه في الغارديان: "دي بروين هو الصمام الذي يمنع التيكي تاكا من الوقوع في فخ الملل والتكرار"!

رويترز
 

يعاني الألماني غاندوغان من إصابات متتالية، ودي بروين هو أفضل بديل له، لأنه مميز في التمرير القصير، ويجيد لعب الكرات البينية من سابق خبرته كصانع، بالإضافة إلى إتقان الكرات الطولية، تلك الكريزة المحببة لجماهير الدوري الإنجليزي، فنجم السيتي مرر حتى الآن 32 كرة طولية صحيحة من مناطق بعيدة تجاه الأطراف الهجومية وخلف دفاعات الخصوم، وهذا ما افتقده الفريق السماوي طوال العام الفائت.

 

يتحول الاستحواذ إلى نسخة سلبية إذا زادت التمريرات فوق الحد الطبيعي، وفشلت في خلق الفراغ المطلوب. يصرخ غوارديولا في وجه صديقه مارتي بيرارنو ويقول إن التيكي تاكا مجرد ترهات صحافية ليس لها وجود، لأن الأصل في اللعب هو التمركز، لذلك يتم استخدام التمريرات المتتالية لتشتيت انتباه المنافس لتحقيق ما هو أهم بتحقيق التفوق النوعي والعددي خلف خطوطه. ودي بروين بالنسبة لفريق السيتي الحالي أفضل نموذج ممكن لتحويل هذه التمريرات إلى واقع ملموس، بكسر نسق اللعب وتسريعه عند الحاجة، ونقل الهجمة إلى درجة أعلى قريبة من مناطق الخطورة، رفقة لعب الكرة العمودية المباشرة، بعد فاصل مستمر من الكرات العرضية والجانبية شبه المتوقعة.

 

لا أفضل من وصف المحلل جوناثان ويلسون عنه في الغارديان: "دي بروين هو الصمام الذي يمنع التيكي تاكا من الوقوع في فخ الملل والتكرار"!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة