سفيان الغانمي
سفيان الغانمي
489

كيف أوصلت القصة القرآنية نجيب محفوظ إلى نوبل؟

20/11/2017
فلسفة أصل الكون وقصة نشأته، كانت محط اهتمام الفلاسفة منذ فجر التاريخ، وكانت ربما هي الباعث الأول للمتفلسفين وخاصة في الجانب الوجودي منها، حتى ربما قبل الميلاد بقرون، لكن دوما كان يبقى نفس الإشكال قائمًا، وهو هل استطاع أولئك الفلاسفة أن يعطوا تصورا كاملا عن الكون؟ من المؤكد أن كل تنبؤاتهم دوما ما كانت تبوء بالفشل، كلما نظَّر فيلسوف لأمر ما إلا ونقضه الذي يأتي بعده، لكن مع مجيء الإسلام أعطى لفلسفة الوجود مفهوما جديدا وخاصا، بل وحتى إنه أعطى لقصة هذا الكون بأكمله مفهوما جديدا خلافا لما كان سائدا قبل ذلك.

عندما أمسكت لأول مرة عن طريق الموافقة، رواية أولاد حارتنا لأيقونة الأدب العربي نجيب محفوظ، ولم تكن لدي أي فكرة آنذاك لا عن مضمونها ولا عن كاتبها حتى، لذلك اعتراني شعور ببعض الملل عندما رأيت حجمها الكبير نوعا ما، غير أني ما إن بدأت أتصفح ورقاتها، حتى دهشت لموضوعها فبدأت أُسرِّع من وتيرة قراءتي، لأني كنت أجد أحداثها متسلسلة في ذهني، بل وربما سبق لي علم بها، لذلك كنت في كل مرة أحاول أن أسرع حتى أتأكد من تلك الظنون التي تموج بخاطري، فكنت في كل صفحة لا أكتشف إلا مزيدا من الأدلة التي تؤكد تلك الظنون التي تطوف في ذهني.

وقتها علق بذهني مثل ما علق بذهني كل قارئ مبتدئ يطلع على موضوع تلك الرواية، فهي تجسيد صريح لقصة هذا الكون، رغم اعتماد الكاتب فيها على أسلوب الرمز، لكن كان باسطاعة كل قارئ مسلم أن يحلل تلك الرموز بكل بساطة، وربما هذا هو الذي أجج عليه الشارع المصري والرأي العام، حتى وصل الأمر إلى تهديد حياته، ومن ذلك الحدث المشهور الذي تعرض له عندما وجه له أحد الأشخاص طعنة في عنقه، لم يكن ليحدث كل ذلك الا لكون الرواية أقرب إلى التصريح منه إلى الرمزية بالمضمون الذي تحتويه، لكن هناك سؤال مهم: ألم يكن هذا العبقري على علم بما سيؤول إليه الأمر فلم أقدم على كتابة هذه الرواية اذا؟

نجيب محفوظ استطاع فهم فلسفة القص في القرآن، لم ينظر إليه على أنه مجرد سرد للأحداث، بل كان يقرأ تلك القصص على أنها تجسيد لقصة هذا الكون من بدايته

مواقع التواصل
 
في اعتقادي أن محفوظًا تعمد فعل ذلك، لأنه كان يستطيع أن يكتب تلك الرواية بأسلوب أعمق موغل في الرمزية، وعنذ ذاك لم يكن ليتمكن أحد ربما حتى من فك رموزها، بله أن يفهمها ببساطة، وعلى الأقل كانت ستبقى قابلة للتأويل، وعندها يستطيع المراوغة إن أراد، حتى لا يدينه أحد، غير أنه كان يعي ما يفعل جيدا، الرواية كان فيها تجسيد عميق لقصة الكون، حتى وإن أسيئ تأويلها من قبل الجامدين الذين يقفون عند اللفظ دون تجاوزه إلى المعنى، وحتى يتجنب سخطهم، فهو كان يصر في كل مرة على أن هذا مجرد عمل متخيل، وليس كما يتصور القراء، وقد أجاد في تصوير قصة الكون، وربما هذا هو الذي ميز عمله وجعله يحظى باهتمام كبير من قبل النقاد، بل هو الذي أوصله الى نوبل رغم انكاره ذلك في أكثر من مرة، لكن ذلك كان بسبب الهجمات التي لاقاها والتي ربما فاقت ما كان يتصوره.

نجيب محفوظ في الحقيقة استفاذ من القرآن الكريم، وذلك بين في عمله ذا، حتى إنني عندما كنت أقرأ روايته، وبسبب أني أحفظ القرآن الكريم، لم أكن أستطيع التركيز مع ألفاظها وجزئياته، فقط كنت أتابع الخطوط العريضة لقصة أولا حارتنا، لم يكن أولئك إلا الأنبياء من لدن آدم إلى محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، لكنه كان يعرضهم على الكيفية التي عرضهم بها القرآن الكريم، وواضح جدا أنه كان يقرأ القرآن بل ويغوص في معانيه، والا لما استطاع أن يكتب تلك الرواية بتلك الحبكة والمتانة.

في الحقيقة محفوظ استطاع فهم فلسفة القص في القرآن، لم ينظر إليه على أنه مجرد سرد للأحداث كما يفعل معظم المسلمين قديما وحديثا، بل كان يقرأ تلك القصص على أنها تجسيد لقصة هذا الكون من بدايته الى نهايته، ولذلك هو لم يرد حتى تغيير الأسماء تماما، بل كان يستعمل أسماء قريبة من الاسماء الأصلية لأولاد حارتنا، لأنه كان في الأخير يريد اعطاء تصوير لهؤلاء بلغته الخاصة، أو بلغة الرواية إن أردنا حتى يبعده عن الحكاية التاريخية، لكن عمقه لم يكن الا حكاية لما ورد في القرآن الكريم.

ترتيب الأحداث، التركيز على جوانب مهمة أثناء الحكي، استعمال لغة وأساليب معينة، هذه الأمور أعطت طعما خاصا للقصة القرآنية، لكن جل الذين اعتنو بالقص القرآني أهملوا الجوانب المهمة

مواقع التواصل
 
لم يستفد محفوظ من فلسفة القص فقط، بل ومن حبكته كذلك، السارد لأولاد حارتنا يجد حبكة القصة القرآنية حاضرة بقوة كذلك، وربما هذا هو الذي كان يميز معظم رواياته حتى في غير أولاد حارتنا، لأننا كنا نجد الرموز الدينية دوما حاضرة، مثل الفقيه، الزاوية،...وغيرهما، لكن في هذا الجانب لم يقتصر عليه هو فقط، بل هناك العديد من الروائيين الذين اثرو الساحة الادبية العربية بإبداعاتهم، نهلوا من القرآن في جانب الحبكة الروائية، أو الجانب الهندسي والبنائي للقصة في القرآن، وذلك لما اصطبغت به هذه الأخيرة من متانة ومرونة.

ترتيب الأحداث، التركيز على جوانب مهمة أثناء الحكي، استعمال لغة وأساليب معينة، كل هذه الأمور أعطت طعما خاصا للقصة القرآنية، لكن جل الذين اعتنو بالقص القرآني أهملوا فيه الجوانب المهمة في القصة، مثل البعد الاجتماعي، والزمني، والمكاني، بل وحتى السياسي، لأنهم كانوا يقرؤون تلك القصص فقط من المنظور الإيماني، حقيقة هذا البعد ربما هو المقصود الأول في القصة القرآنية، لكن هذا لا ينفي حضور الجوانب الأخرى.

القرآن الكريم هدفه الهداية، لكنه عندما يستعمل شيئا ما فإنه يأتي به على أكمل وجه، سواء في ذلك اللغة، أو كان ذلك سرد تاريخ معين، أو الحديث عن أمور، مثل الإخبار بحدوث أمر، أو الإشارة الى علوم معينة، أو احداث، فإنه لما كان من لدن العليم بكل الأمور، والخبير بتفاصيلها، فإن ما يصدر عنه لن يكون إلا على أكمل وجه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة