خليل العناني
خليل العناني
1.3 k

على الهامش(٢).. حين كدت أن أفقد إيماني بسبب "دوركايهم"

22/11/2017

انتهيت في التدوينة السابقة إلى المزالق والمطبات التي يمكن أن يقع فيها الباحث العربي أو المسلم الذي يذهب لدراسة الإسلام في الغرب، والتي من بينها الوقوع في فخ الاستشراق الذاتي، وتبني خطاب اعتذاري يفرط في جلد الذات، فضلاً عن مأزق التكيف الأنطولوجي والنفسي مع مناهج الدراسة الغربية خاصة في حقول شائكة مثل حقل الاجتماع الديني أو سوسيولوجيا الدين. هذه التدوينة تلقي الضوء على هذا المأزق الأخير كوني كدت أن أقع فيه.

 

عندما ذهبت لإعداد أطروحة الدكتوراه في بريطانيا، كان كثير من الأسئلة يدور في ذهني حول جدوى وطبيعة الاستفادة من دراستي بالغرب لموضوع يتعلق بمجتمعي وديني وذلك في بلد أجنبي وبلغة غير لغتي. وأذكر أنني كدت أن أعود أدراجي وأنهي دراستي بعد أسابيع قليلة، بسبب الشعور بالاغتراب النفسي والمعرفي، وعدم القدرة على التكيف ليس فقط مع برودة المناخ والأشخاص، وإنما أيضا مع طرق التفكير ومناهج البحث الجديدة عليّ، والغريبة أحياناً، والتي كانت تختلف كلياً عما اعتدت عليه لعقود.

 

ولم تكن هذه هي المشكلة بحد ذاتها، وإنما كانت المشكلة الأصعب في كيفية استخدام وتطبيق هذه الطرق والمناهج على موضوع دراستي حول بنية الهوية الدينية للحركات الاجتماعية مع التطبيق على حالة جماعة الإخوان المسلمين في مصر. فقد بدا أن بعض هذه المناهج، ولو ظاهرياً، يقع في تضاد فلسفي وأنطولوجي، مع مفهومنا عن الدين ودوره في حياتنا اليومية. وقد كان عليّ، وأنا القادم من مجتمع محافظ دينياً وفكرياً، أن أحاول ليس فقط الوقوع في فخ هذا التحيز المعرفي والمنهجي في التعاطي مع الدين، وإنما أيضا، وهذا هو الأهم، ألا أفقد إيماني. وقد كان تحدياً صعباً في مجتمع كان غريباً عني ثقافياً واجتماعياً ودينياً.

 

كانت البداية عندما بدأت في البحث عن إطار نظري يمكن من خلاله مقاربة موضوع الدراسة. وفي مرحلة الدكتوراه، خاصة في أوروبا، يجب علي الباحث أن يأتي بإسهام نظري ولو محدود، وليس فقط تطبيقي، يمكن أن يدفع باتجاه تطور المعرفة في حقله الدراسي، وذلك كشرط لاجتياز اختبار الدكتوراه بجدارة. أو على الأقل هذا ما جرت عليه العادة في جامعة "دورهام" التي كنت أدرس بها في ذلك الوقت. وقد كان عليّ، وأنا القادم من حقل العلوم السياسية المحدود نسبياً في تفكيك الظواهر الاجتماعية والدينية، أن أبحث عن حقول معرفية أخرى أكثر عمقاً وإفادة، من أجل تحليل موضوع الدراسة. وكان عليّ أن أعبره إلى حقول معرفية أخري، كان أهمها حقلي علم الاجتماع الديني (سوسيولوجيا الدين)، وحقل الحركات الاجتماعية. لم تكن ثمة مشكلة كبيرة في الحقل الأخير، وإنما كانت بالأساس في الأول. ذلك أن ثمة افتراضات وضعية وعلمانية كامنة في هذا الحقل المعرفي، تصل إلى حد مخاصمة، وأحياناً احتقار الدين، لم يكن الهروب منها أمراً سهلاً.

 

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركايم (1858-1917م) (غيتي)
 

وبما أن مسألة الهوية بوجه عام من أكثر الموضوعات المعقدة والسائلة في حقل السوسيولوجيا فقد كان من المهم أن أبحث عن نقطة بداية لمقاربتها وتفكيكها. وتمثلت هذه النقطة في افتراض مهم هو أن الهوية ليست شيئاً مجرداً أو جوهراً ثابتاً، وإنما هي مسألة يتم بناءها واكتسابها من خلال النسق المعرفي للأفراد الذي ينبع من مصادر عديدة من بينها الدين والعائلة والمجتمع...إلخ.

 

وهنا بدأ مأزقي النفسي والأنطولوجي مع الدراسة في الغرب، والذي كدت بسببه أن أفقد إيماني، وذلك بعد صراع نفسي قاسٍ لم أخرج منه إلا بعد شهور وبعد تكوين عُدّة بحثية نقدية ساعدتني في تفكيك بعض الافتراضات المسبقة حول الدين ودوره في المجتمع. فحين بدأت القراءة في حقل سوسيولوجيا المعرفة (أو علم اجتماع المعرفة)، وذلك لتفكيك مصادر المعرفة اليومية، اكتشفت أن ثمة خللاً بنيوياً في مقاربة فلاسفة وعلماء الاجتماع الغربيين، مثل ماكس شيلر (١٨٧٤-١٩٢٨) وكارل مانهيم (١٨٩٣-١٩٧٤) لمسألة المعرفة، خاصة فيما يتعلق بمصادرها، وتأثيرها على رؤية الأفراد للعالم، وعلى حياتهم اليومية. ذلك أن ثمة افتراض جوهري مسبق في علم اجتماع المعرفة (ومن هنا اسمه)، أن المجتمع، وليس أي شيء آخر، هو المصدر الأساسي، والوحيد، للمعرفة، وأن المصادر الأخرى للمعرفة، كالوحي والإيمان، لا يجب أن يعتد بها كونها صادرة عن عمليات تفكير غيبية لا يمكن إثباتها علمياً. وهي أطروحة شهيرة بدأها لعالم الاجتماع الفرنسي المعروف "إيميلي دوركهايم" (١٨٥٨-١٩١٧) وتبعها فيها شيلر ومانهيم وآخرون.

 

كان دوركايهم، وعلى النقيض من زميله الألماني ماكس فيبر (١٨٦٤-١٩٢٠)، يؤمن بأن المجتمع هو أصل المعرفة، وأنه مولّدها الرئيسي، وذلك من خلال تفاعلات الحياة اليومية للأفراد. وقد انعكس ذلك على مقاربته لمسألة الدين والذي يراه غير قابلاً للفهم العقلاني، إلا فيما يتعلق ببعده الوظيفي في المجتمع. كما أن الظاهرة الدينية، بالنسبة له، لا تنبع من مصدر إلهي، وإنما من عوامل اجتماعية فقط. لذا فإن دور الدين في الحياة اليومية، حسب دوركايهم، يجب أن يقتصر على ما يؤديه من وظيفة اجتماعية هدفها خلق التماسك والترابط بين فئات وجماعات معينة فحسب وهو ما يجب علينا أن نهتم بدراسته. لذا فإن تفكيرنا في الدين لا يجب أن يتجاوز دوره الوظيفي في المجتمع. وهي مسألة وضعانية وعلمانية بحتة تتعاطي مع الدين كأنه يقع خارج نطاق المجتمع بالمعني الوظيفي الذي يطرحه دروكهايم، والذي يعد امتداداً لنظرية الحداثة التقليدية التي كان ترى الدين خصماً للعقل والتقدم الفكري. وقد انتقلت أطروحة "دوركهايم" حول الطبيعة الوظيفية، وليست الإيمانية، للدين إلى حقل "الاجتماع الديني" وأثرت عليه بشكل كبير وهو ما جعله لا يري إمكانية وجود معرفة سابقة على المجتمع يمكنها أن تكون مصدراً لتفكير وسلوك أفراده.

 

استمرت عقدتي مع "دوركهايم"، وغيره من فلاسفة علم الاجتماع، في تعاطيهم مع مسألة الدين، شهوراً، ولم يخرجني منها سوى لقاء مع صديق ماليزي، لم تكن الابتسامة تفارق وجهه، كان قد مّر بتجربة مشابهة، ولهذا حديث آخر بحول الله.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة