عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
848

الأخلاق من الإرادة إلى الفكر

25/11/2017

تُوجد الأخلاق في أشكال متعددة. فهي توجد في صورتها الأكثر أوليّة والأكثر وضوحاً وبساطة كنفي لغرائز موجودة في الإنسان، في صورة "لا تفعل"، هي هُنا كذلك لأنها تتعلق بغريزة بدائية بسيطة وواضحة "لا تكذب"، "لا تسرق"، "لا تخون"... إلخ، هي ببساطة نفي لشيء محدد. وهي توجد أيضا كإيجاب محدد، "يجب عليك أن تفعل كذا"، فإذا كانت تتعلق في المرة الأولى بالامتناع، فهي تتعلق هذه المرة بالفعل. وتوجد أحيانا أُخرى بشكل أكثر تعقيداً، كنقيض لواقع قائم ولكنه واقع مركب ومعقَّد، وفي هذه الحالة هناك أمر محدد يجب القيام به وقد يكون واضحا بدرجة ما ولو على مستوى الفكر. وفي كل حالة من الحالات هي شيء مفروض على الإنسان بواسطة دين أو ثقافة أو فكر، ولكنها ليست شيئا يحتاج إلى اكتشاف، أي أنها هنا تبدو كأمر مستقل عن المعرفة والفكر، بمعنى أننا لا نحتاج إلى بحث وتفكير لمعرفة ما هو الفعل أو الموقف الصحيح. 

 

تبدأ المشكلة الحقيقية للأخلاق، عندما يصبح ما هو أخلاقي محلا للتساؤل والتفكير، وليس أمرا قطعياً. أي عندما تُطرح أسئلة من قبيل "ما هو الصحيح" أو "ما الذي يجب فعله إزاء وضع على درجة من التركيب"، "ما هو الأفضل لي وما هو الأفضل للآخرين". هنا يكون الامتحان الأصعب للأخلاق. فالمشكلة هنا لم تعد تتعلق بالإرادة فقط، وإنما بالفكر.

 

هناك اعتقاد سائد، ربما بسبب الدين، بأن الامتحان الأخلاقي هو امتحان لإرادة الإنسان أمام قائمة محددة ومعروفة من النواهي والأوامر، وليس امتحانا للعقل الإنساني. بمعنى أن الانسان ليس مطالبا بالتفكير من أجل اكتشاف الموقف الصحيح. ولكن كل إنسان يملك قدرا من الاستقلال الفكري، قد يواجه امتحانا أخلاقيا للفكر قبل الإرادة. إذا كان من السهل افتراض أن البشر يملكون الإرادة نفسها، على الأقل إلى الحد الذي يسمح بتنظيم المجتمع بواسطة آلية الجزاء، فإن افتراض أن البشر يملكون المعرفة نفسها، القدرة على المعرفة، فيما يتعلق بالأخلاق على الأقل، ليس ممكنا. 

 

في الواقع، لا يبحث المجتمع عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن السلام، ولذلك لا يبحث الناس عن المسوغات المعرفية للمسؤولية الأخلاقية. أي لن يفكِّر المجتمع في الأهلية الفكرية للناس عندما يحاسبهم على مواقفهم وأفعالهم، باستثناء الحالات المتطرفة كالمرض. ولكنه إذ يفعل ذلك فهو كأنما يقول إن على الإنسان أن يتحمّل حقيقة كونه في امتحان للمعرفة والإرادة معا، حتى لو كان يعاني ضعفا في أحد الاثنين أو كليهما.  فإذا كانت هناك مشكلة تهدد سلام المجتمع، فإن المجتمع سيبحث عن الطرق المناسبة لحلها، وقد يكون العقاب هو أحد الوسائل.

 

 إن استقرار نظام اجتماعي ما، هو ليس كل شيء، فقد يكون هذا النظام فاسداً يجب تغييره، الأمر الذي يجعل من هذه الأخلاق مهددا "للسلام الاجتماعي" من وجهة نظر المستفيدين

مواقع التواصل
  

لحسن الحظ ربما، فإن الحد المطلوب من "العقل" من أجل تحقيق الحد الأدنى من السلام ليس بذلك التعقيد، ليس فقط لأن قواعد السلوك المطلوبة لفرض السلام الاجتماعي بسيطة وفي متناول الجميع تقريبا، وإنما أيضا لأن "العقل" نفسه قد تم تعريفه بحيث يعني الانصياع لهذه القواعد، فالإنسان العاقل في مجتمع ما ليس بالضرورة هو ذلك الذي يفكِّر بشكل صحيح دائما، وإنما هو ذلك الإنسان المنضبط والذي يعرف كيف يعيش وفقا للنظام الاجتماعي. ولكن من وجهة نظر أخلاقية، إن استقرار نظام اجتماعي ما، هو ليس كل شيء أو هو ليس غاية، فقد يكون هذا النظام فاسداً يجب تغييره، الأمر الذي يجعل من هذه الأخلاق مهددا "للسلام الاجتماعي" من وجهة نظر المستفيدين من الوضع القائم.  وعلى أية حال فإن المعرفة في هذا السياق لا تتعلق بقيمة الفعل الأخلاقي، وإنما بموقعه على الأرض: كيف سيحقق الأهداف المرجو منه تحقيقها، وهي أهداف اجتماعية واقعية، أي تتعلق بالواقع المحسوس، وليس بالحقيقة كشيء مجرّد، إن كان هُناك شيء اسمه "حقيقة مجردة".

 

إن فكرة العدالة الاجتماعية كمثال هي ليست شيئاً مجرداً يجب السعي من أجل تحقيقه بقدر ما هي تجريد لرغبات حقيقية حية موجودة على أرض الواقع، أي أن فكرة العدالة الاجتماعية هي فكرة واقعية مادية، هي تعبير عن تناقضات واقعية. إن مشكلة علاقة الأخلاق بالمعرفة المطروحة في هذا السياق لا تتعلق بالآخرين، وإنما بالذات التي تفكِّر في الأمر، أي بالإنسان الذي يطرح تلك الأسئلة بشكل جدِّي. هنا تنتقل المسؤولية من مستوى الفعل إلى مستوى أعلى، هو مستوى التفكير. وعندما تنتقل المسؤولية الأخلاقية الي مستوى التفكير والمعرفة، فإن الأخلاق -تقريبا- تفقد معناها الأصلي المرتبط بالفعل، لتنفتح على المجهول تماما. ففي المستوى الأصلي، مستوى الفعل، لم تكن هناك مشكلة معرفة، وإنما فقط ممارسة، أي ليس هناك شيء يجب اكتشافه، وإنما هناك قائمة محددة من النواهي والأوامر والواجبات والمبادئ... إلخ. ولكن عندما يبدأ الإنسان في التفكير فإنه يبحث عن شيء غير موجود يريد اكتشافه، هذا هو معنى التفكير أساسا. 

 

ينبغي هنا التنبيه إلى أنني هنا لا أتكلم عن إعادة التفكير فيما هو موجود ومعروف، ولا عن نسبية الأخلاق، هذه ليست هي القضية هُنا. القضية هي أن هناك حالات للأخلاق أكثر تعقيدا، هي الحالات التي تتداخل فيها مع المعرفة، وهو تعقيد ناتج عن الواقع، وليس مجرد رغبة في التفكير بشكل معقد. فنحن تعودنا على التفكير في الأخلاق كشيء يتعلق بالفرد في مواقف واضحة، (أفعل/لا-تفعل)، (صواب/خطأ). ولكن العلاقات التي تحكم المجتمعات والدول معقدة إلى حد بعيد، بحيث لا يصلح معه تطبيق مفاهيم هي بطبيعة نشأتها مرتبطة بالإنسان الفرد. على سبيل المثال ماذا يعني أن يكون موقف الدولة هو "موقف أخلاقي"؟ فحتى إن فكَّرنا في ذلك بشكل مجازي، فإن الأمر على درجة من التعقيد.

 

فبالنسبة لإنسان فرد قد يكون هناك تمييز واضح ما بين الأخلاق والمصلحة، ولكن بالنسبة لمجتمع أو دولة فإن هذا التمييز قد لا يكون ممكنا أحياناً، فمعيار ما هو أخلاقي على مستوى الدولة والمجتمع قد يكون هو المصلحة عينها، بعبارة أُخرى إن المصلحة هنا تدخل كمحدد لما هو أخلاقي. هناك حالات يكون فيها الموقف الأخلاقي لدولة ما من الدول من قضية ما، مضرا بمصلحة الشعب وقد ينتج عنه في النهاية ضرر ومعاناة كبيرة قد تصل إلى فقدان أرواح، فأين الأخلاق في النهاية؟ فإذا فكَّرنا في هذا الموقف بالنهايات سنكون أمام معضلة أخلاقية. ومن هنا يأتي تعقيد موقف الفرد إزاء هذه العلاقات.

 

كلما ما ابتعد الانسان من ساحات الصراع المباشر، كلما ما ابتعد عن التفكير بمنطق رد الفعل، كلما فكَّر بحرية أكبر، كلما واجه صعوبة أكبر واشكالات أكبر

مواقع التواصل
  

على أرض الواقع الأخلاق والمصلحة لا توجد كأفكار مجردة مثلما نفكِّر فيها، وإنما توجد كقوى حية، متجسدة بواسطة الناس والمؤسسات. فالمصالح تعبِّر عن نفسها سياسيا واقتصاديا والأخلاق قد تعبِّر عن نفسها كقوة حية من خلال الثقافة والإعلام ووسائل الضغط الجماهيري المختلفة، فالذي يحدُث هنا هو صراع قوى واقعية على الأرض، وليس صراع أفكار مجردة، فضلاً عن كونه تفكيراً حُراً مجردا يهدف إلى الكشف عن الحقيقة ولو بالمعنى الأخلاقي للكلمة.

 

على مستوى الفكر يختلف الأمر. إذ كلما ما ابتعد الانسان من ساحات الصراع المباشر، كلما ما ابتعد عن التفكير بمنطق رد الفعل، كلما فكَّر بحرية أكبر، كلما واجه صعوبة أكبر واشكالات أكبر. فإذا كنت في صراع، فإن السؤال "ما الذي يمكنني فعله" إجابته تكاد تكون محددة سلفاً، يحددها موقعك في هذا الصراع، وربما مكرها. كذلك بقية الأسئلة "ما هو الأفضل"، و"ما هو الصحيح". ولسخرية الأقدار فإن ساحة الصراع ليست هي الساحة المناسبة للتفكير، وذلك حتى لوكان الفكر هو وسيلة من وسائل هذا الصراع.

 

التفكير الحقيقي يتطلب قدرا من الحرية. ففي ظل الحرية تختفي ردود الأفعال والدوافع، وتغدو الأسئلة أكثر حيرةً، والاجابات أقل بداهة ووضوحا، والشك هو سيد الموقف. ولكن إذا لاحظنا أن التفكير دائما لا يتم في فراغ، وإنما في واقع مليء بالتحديات والمشاكل، وأنه قد لا يكون تفكيراً بقدر ما هو استجابة وتفاعل مع هذا الواقع في الأساس، سندرك صعوبة وربما استحالة ما ندعوه بـ"التفكير الحقيقي".  

 

أمام الأسئلة الأخلاقية المعقدة يقف الإنسان في موقف أشبه بالمقامرة، فهو في الحالتين في حالة التفكير وفي حالة الانخراط الفعلي في الواقع، يقوم بنفس الشيء، يذهب نحو المجهول. إن أكثر الناس ثقة ودوغمائية هم أيضا مثل الآخرين، مقامرين ولكن بدون وعي، على الرغم من أنهم في كل مرة يحملون ذلك الاعتقاد الواهم بأنهم يقومون بالشيء الصحيح.

 

وفي الحقيقة فإن الإنسان الذي لا يفكِّر بحرية هو الأكثر عرضة للخطأ، ويزداد هذا الخطأ كلما زاد اعتقاده بامتلاك الحقيقة. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة