رمضان أحمد بريمة
رمضان أحمد بريمة
1.3 k

تحديات القيادة في العصر الحديث

3/11/2017

لا شك أن ما تمر به المنطقة العربية خصوصا والدول النامية عموما من اضطرابات اجتماعية وتحولات مفاهيمية كبرى جزء لا يتجزأ من تغير مفهوم القيادة. فلئن كان القائد سابقا هو ذلك الشخص الذي يوجه الناس نحو أهداف هو من يحددها ويجبر الناس على تنفيذها، ولئن كان القائد هو من يحتكر المعلومة وبالتالي يوظفها لخدمة الأهداف المذكورة، فقد تغير كل شيء اليوم، مما يعني أنه ليس بإمكان ذلك القائد التقليدي إدارة شؤون القيادة اليوم بنفس الطريقة. ذلك لأن الفضاءات المفتوحة وفرت المعلومة، فضلا عن أن الأهداف الفردية لم تعد تعلو على أهداف الأمة بفضل مستوى الوعي الجماهيري بدقائق ما يجري في قمة هرم السلطة، سواء أكان ذلك سلطة الدولة أو المؤسسة أو القبيلة أو حتى الأسرة الصغيرة. وهذا كله يعني بالضرورة أننا بصدد مفهوم جديد للقائد أصبح يتشكل، وهو مفهوم القائد المنسق.

 

تقليديا كان القائد يحيط نفسه بجوقة من الطبالين والزمارين الذين يزيّنون له كل ما يريد ويمهدون له الطريق ليصبح فرعونا. والفرعونية هي حالة نفسية يبلغها القائد عندما يصاب بالزهو والغرور نتيجة ما يتلقاه من حاشيته من المدح والإطراء حتى يظن هو نفسه أنه مصدر الحياة. وقد تولى الإعلام الرسمي هذا الدور في العصر الحديث إذ يكاد يؤلّه القائد، فيدبج له الأغاني ومقاطع الفيديو والملصقات على الطرقات وعلى جدران المتاجر والمحال التجارية فضلا عن الدعايات التفلزيونية. الحصيلة هي هالة وهيبة مصطنعة حول القائد، فيصدقها هو ويتصرف بناء على ذلك.

 

التحدي الذي يواجه القائد في عصر اليوم هو أن الوسائل التقليدية التي صنعته من الطبالين والزمارين والإعلام الرسمي لم تعد مجدية في وجه المفاهيم الجديدة التي ساهمت في توفير المعلومة الصحيحة من مصادر غير تقليدية. الصحفي المواطن مثلا من أقوى مصادر المعلومة، ينقل الخبر من موقع الحدث وهو خام بدون أي رتوش أو مونتاج، هذا ناهيك عن أن الإعلام الحر أصبح يناقش عيوب القائد بدون تحفظ، لأن المناقِش -على غير العادة-غالبا ما يكون في مأمن من بطش القائد إذ يطل عبر الشاشات أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما أصاب القائد بارتباك وهستيريا وزيادة في البطش بمن حوله من الأبرياء كما نرى في كثير من الدول العربية.

 

الأهداف التي يتبناها القائد التقليدي خاصة في السياق العربي هي بالضرورة أهداف تحقق مصلحة فردية أو مصلحة نخبة حاكمة، وليست بالضرورة أهداف أمة. لذلك يحرص القائد على إخفاء النتائج التي تتحقق من وراء هذه الأهداف والتي لا يجني منها الشعب شيئا يذكر.  التحدي الذي يواجهه القائد الفرد أو النخبة المنتفعة من هذه الأهداف هو أن الإعلام الحر نجح عبر الفضاءات المفتوحة في فضح هذه الأهداف وإبراز تضاربها مع المصالح الحقيقية للأمة. وهذه من الأشياء التي عجز القائد التقليدي عن السيطرة عليها كما كان يحدث دائما في الماضي.

 

القائد المنسق ليس بحاجة إلى جوقة المطبلين والزمارين وليس بحاجة إلى حشد الجماهير للتصفيق له لأنه ببساطة يقوم بواجبه

مواقع التواصل
 

خلاصة القول إن مسألة إجبار الناس على قبول شيء هم غير مقتنعين به أو التصفيق لشخص هم على وعي بكل عيوبه أصبحت مسألة مستهجنة. ولعل أقرب مثال للتحديات التي تواجه القائد حتى على مستوى الأسرة الصغيرة هي أن الأبناء لم يعودوا يقبلون من آبائهم كل شيء كما كان في الماضي، وربما إذا لم يستخدم الأب الحكمة في توجيه أبنائه قد يخسرهم في مرحلة ما، ذلك لأن الأبناء -كما هو حال الشعب- أصبح لهم مصادر أخرى للمعلومة.

 

إذن، المفهوم الجديد للقيادة والذي بدأ يتشكل هو القيادة الجماعية أو القائد المنسق. والقائد المنسق هو الذي يقود شعبه أو من هم تحته بمنتهى الشفافية، لأنه مجبر على أن يكون شفافا في قيادته، إذ يقود مجموعة على قدر من الوعي والإدراك بما يجري، وبالتالي لا يمكن أن يقبل أي تدليس للمعلومة.

 

وعلى صعيد آخر تكون أهداف القائد هي نفس أهداف شعبه، ولن يستطيع القائد أن يدس هدفا شخصيا أو أن ينحرف أثناء تنفيذ الأهداف العامة لتحقيق هدف شخصي، لأن وعي الشعب وإدراكه أكبر من أن يسمح له بذلك. ومن هنا يكون دور القائد دورا تنسيقيا يتسم بالشفافية والتوجه المباشر نحو الأهداف المرسومة. هذا بالضبط هو ما يحصل في الطبيعة ويكون أكثر تجليا في عالم الحيوانات المهاجرة، إذ يقودها قائد نحو هدف يتفق عليه الكل، فلو تردد القائد دفعوه، ولو تراجع تركوه، ولو مات استبدلوه، فما عليه إلا أن يمضي دون تردد مهما كانت العقبات لأن الشعب وراءه.

 

ما نراه اليوم من صراعات في العالم العربي -حتى لو أخذت أشكالا متعددة- هي نتيجة طبيعية للوعي الذي انتشر في المجتمع، مما جعله لا يستسيغ النهج القديم للقيادة ويتطلع إلى نهج جديد للقيادة الجماعية والقائد المنسق. القائد المنسق ليس بحاجة إلى جوقة المطبلين والزمارين وليس بحاجة إلى حشد الجماهير للتصفيق له لأنه ببساطة يقوم بواجبه الذي لا يستحق أن يُشكر عليه. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة