حلب.. يومَ غنّى الآخرون

23/12/2017

حاصرتنا حلب حُرةً ومحاصرةً ومحتلةً فبكيناها فرحًا حينًا وحزنًا وحرقةً حينًا ولوعةً وانكسارًا أحياناً، ومن بعدها نحن ندور حولنا باضطرابٍ كعُبّادٍ أُخبروا أنّ النار والسخط حتم عليهم بذنبٍ ارتكبه الآخرون. هُزمنا بغباء آخرينَ وتآمرُ آخرينَ غيرهم كما هزمنا بعجزنا وتخاذل من بذلوا لنا الأيمانَ أنّهم أصدقاؤنا الأوفياءُ؛ هزمنا بنا بقهرنا وبكل ما جنته يدانا من ثقةٍ في غير موضعها وخلافٍ ليس أوانه، وبقي في حلب وخارجها صوتُنا يتيمًا بالشوارع شوارع اللجوء وشوارع حلب القابعة تحت مرمى النار والقلب والحسرة، يُنادوننا منها ونجيبهم بصرخاتنا ودموعنا وعجزنا الممتد منهم إلينا ومنا إليهم، بقايا إرادة وثورة وثأر يتجذر فينا، وينخر القلب والروح.

 
مجزرة في "بستان القصر" فأخرى في "المشهد" تليها أخرى مروّعةٌ في "الصاخور" ومثلها في "طريق الباب" وكذلك في "الزبدية" وهكذا نحفظُ أسماءَ أحيائها من أسماء مجازرها وترسمُ جغرافيا المدينة دماءُ الشهداء وأشلاءُ من بقوا تحت الأنقاضِ لا يريدون الرّحيل وعلى حجارتها ذُبحوا ولم يقولوا نعم؛ هؤلاء هم يا درويش القصيدة من قالوا بأشلائهم المذبوحة على حجارتها:

 

"و لو أنّا على حجرٍ ذُبحنا"

لن نغادر ساحةَ الصّمت التي سوّت أياديكم

سنفديها ونفديكُم

مراكبُنا هنا احترقت

وخيّمنا على الرّيح التي اختنقَت هنا فيكم

ولو صعدت جيوشُ الأرض هذا الحائط البشريّ

لن نرتدّ عن جغرافيا دمكم.

مراكبنا هنا احترقت

ومنكم؛ من ذراعٍ لن تعانقنا

سنبني جسرنَا فيكم

شوتنا الشمس

أدمتنا عظام صدوركم

حفّت مفاصلنا منافيكم

"ولو أنّا على حجر ذبحنا"

لن نقول" نعم"

فمن دمنَا إلى دمنَا حدود الأرض

من دمنا إلى دمنا

سماءُ عيونكم وحقول أيديكم

نناديكم

فيرتدّ الصّدى بلدا

نناديكم

فيرتدّ الصّدى جسدا

 
وشبرًا فشبرًا سُلبت منا الأرض منذ سنة بالتّمام واقتُلعنا منها بذورَ حرية، وعطشى كرامة وعدالة، تحوّلنا ببطشِ أنذالِ العصر من مقاتلين مدافعين عن الفكرةِ والأرض والعرض إلى مناشدي ضمائر الإنسانية المعدومة أن تلفّ ما بقيَ منّا هناك بتحنانها، فهل جرّبت أن تكون مقاتلًا عاجزًا عن ردّ صواريخ تتهاطل على أهلك؟!

 

سنخبر أبناءنا حمّالي الثأر ووهج الثورة أننا كنّا بحلب ولها كما يكون الثائر ثباتًا وتحمّلًا في سبيل الأرض والحرية والكرامة فلم ننتصر لكنَّنا أيضًا لم نهزم، من قال إنه علينا أن ننتصر لنكون؟

الجزيرة
 

طوينا اليومَ عامًا قاتمًا غرباء بلا حلب، حاملين جراحًا دامية ولا أُفق، كان آخر العهد صورَ باصاتٍ خضراء مثقلة بعرق وقلق الرجل الستيني وراء بسطته يبيع ما يتيسر ليتم تعففه، ومتزاحمة بضوضاء عائلة استُشهدت إلا واحدًا يضج رأسه بحواراتها، باصاتٍ تتكدّس فيها حقائب المغادرين، مملوءة بدمعة أمٍّ مكلومة وحنوّ أبٍ مفقود وعيون أخٍ شهيد بذكريات للزمن القادم من زمانٍ صنعنا على عينه خائبين بحسرةٍ لا نكاد نحملها، وصوت أجراس يرتفع في كل ناحية من ارتطام مفاتيح البيوت المتروكة بعضها ببعض، شيء واحد خيّم على المكان صمتُ المقاتلين الثقيل، وحده ما لم نستطع عليه صبرًا.
   

"لم نستسلم رغبةً ولم نتباكَ ضعفًا وذلًّا" بهذا سنخبر أبناءنا حمّالي الثأر ووهج الثورة؛ أننا احترقنا اختيارًا وأنفقنا أعمارنا وشبابنا وصحتنا وأعصابنا طوعًا ورغبةً، وأننا كنّا بحلب ولها كما يكون الثائر ثباتًا وتحمّلًا في سبيل الأرض والحرية والكرامة فلمَّا ننتصر لكنَّنا أيضًا لم نهزم، من قال إنه علينا أن ننتصر لنكون؟
 
نحن كُنّا لمّا سلكنا طريق الثورة وعشنا تبعاتها واحتملنا آثارها فينا وبنا وبأهلينا الأولين،  وأوقدنا من أعمارنا وأضلاعنا قبسًا لم يغلبه ظُلم اللّحظة وظلامها، كنّا لمّا آمنّا أنّ الكلمة تردّ الحق، وأن صرخة في الساحة تزلزل عرش المتألّهين على كراسي الحكم، كنّا لمّا فتحنا صدورًا عارية للدبابة والرصاص، كنّا لما غنّينا لشهدائنا سكابا وعتابا، كنّا لمّا حملنا في ذواكرنا دموع أمهاتنا وفزع آبائنا ولمّا لاحقتنا وجوههم المكتهلة في المنام واليقظة في الوطن والغربة، كنّا لمّا قررنا أن السلاح قد يعيننا على حقنا ويطفئ دماء إخوتنا الشهداء الملتهبة فينا، كنا لما خذلنا الآخرون ولم نترك المعركة حتى آخر رصاصة، كنّا لما تكورنا في زوايانا يتامى وطنٍ وأهل، كنّا لمّا لم يمنعنا عجزنا عن تكرار الوقوف والصراخ والهتاف، كنّا لما رأينا أعداءنا يحتفلون على أرض حلب ويرقصون ولكننا لم نفقد عقلنا ذهولًا، وكنّا لمّا خسرنا الأرض والأرواح ولم نزدد بالثورة إلا إيمانًا، كنّا لمّا لم ننتظر النصر لنكون، كنّا لما بكينا وغنّى الآخرون؛ كنَّا ومازلنا وسنبقى حلبٌ قصدنا وإليها السبيل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة