نور الحاج يحيى
نور الحاج يحيى
1.4 k

الأمومة.. نظرة فتاة هذا الجيل

27/12/2017
ليس أمرا سهلا أن تقولها الفتاة صراحةً في وجه المجتمع من حولها أنها لا تريد أن تنجب الأطفال، وأن قرارها بعدم الإنجاب لا يتعلق بكونها غير قادرة صحيّا على فعل ذلك، بل على العكس، هو قرار صحيّ مدروسٌ بعقلانيّة وتأنٍّ ونضج، على عكس الانطباع الذي يتركه ذلك لدى الآخرين، بحجّة أنه عصيّ على الفهم والاستيعاب وجود فتاة لا تريد أن تصبح أما، لا تريد أن تقوم بتجربة مشاعر الأمومة مع كائن صغير هو امتدادٌ لها، وأنها بغنىً تام عن هذه المشاعر!
  
كتبتُ ذات يوم: "لا أريد أن أنجب طفلا، بل كتابا!"، وأذكر تماما مدى الانطباع السيّء الذي تركته لدى الكثيرين من حولي، اتُهمتُ بالكثير: "الخروج عن الطبيعة"، "الخروج عن الأنوثة"، "الاستغناء عن رسالة الأمومة العظيمة"، "الخروج عن كلمة الله"، كانت هذه مجمل الآراء التي ووجِهتُ بها، وكان صعبا جدا على شخص ليست لديه المقدرة أو حتى الاستعداد للسماع أن يقتنع بالأسباب التي أدت لهذا القرار حينها، إذ لا يوجد قرار فيما يتعلق بالأمومة -على حد القول-، بل هي طبيعة بشرية على كل فتاة أن تمتثل لها دون تفكير أو اعتراض، ورفضها ذلك ليس إلا وقوفا في وجه هذه الطبيعة والعبث بها.
 
تختلف شخصية فتاة الجيل الحديث عن فتيات الأجيال السابقة، لذلك بدأت الفتاة اليوم برفض ما اعتادت أن تقوم به والدتها وجدّتها من قبل، أصبحت "لا" أكثر سهولة ومع الوقت أكثر استساغة كذلك، بدأت فتاة الجيل الحديث بالاعتماد على نفسها برؤية الأمور من حولها، دون أن تستعين برأي أحد، أصبحت لديها المقدرة الكاملة على رسم حياتها بالشكل الذي تراه هي مناسبا، أصبحت تعرف أنه ليس هناك حياة نمطية واحدة على الجميع أن يعيشها، وأن لكل شخص حياته المختلفة الخاصة جدا، بظروفه وأسبابه وقراراته المختلفة الخاصة جدا.
 
بدأت الفتاة ترفض رؤية الزواج مجرّد هدف عليها تحقيقه بمجرد وصولها مرحلة عمرية معينة -كما اعتادت أن تسمع-، إذ على الزواج أن يكون قرارا ناتجا عن علاقة ناضجة مدروسة يغلب عليها الحب والتفاهم والاحترام والنضج المتبادل، بدأت الفتاة ترى من حولها نتائج الزيجات الفاشلة، ونتيجة لذلك فهي ترفض الزواج ربما مطوّلا إلى أن تقتنع بزواج ناجح صحيّ، وعلينا أن نرضى أنها قد لا تقتنع على الإطلاق!
    

أنا اليوم أم لطفل يبلغ من العمر عامين، وأعتقد أنني أعرف جمالية معنى أن تقول فتاة: لا أريد أن أنجب الأطفال، وأعرف في الوقت نفسه جمالية معنى أن تقول أخرى: أريد إنجاب الكثير الكثير من الأطفال!

أن سبلاش
 
حتى الأمومة، أصبحت الفتاة ترفض رؤية الأمومة مجرّد هدف آخر عليها تحقيقه بمجرد وصولها مرحلة عمرية معينة كذلك، بعدد أطفالٍ ذكورٍ وإناث محدد مسبقا من قبل مجتمعها. ممارسة الأمومة بهذه الطريقة -وعلى عكس المتوقع- لا يحمل أيّ تقديس للأمومة، بل تسخيف لها واستخفاف بها، لم تعُد ترى الفتاة الأمومة بنفس الطريقة التي كانت تُرى بها سابقا، فأصبحت ترفض إنجاب "طفل هدف"، تُرضي به المجتمع وتنسى في سبيل ذلك أن ترضي طفلها، طفلٌ هدف يؤمّنها من أكبر عدد ممكن من التّهم، ليس هذا فحسب، بل طفل يحمل مسؤولية إحساسها بالسعادة والأمان على المدى الطويل قبل حتى أن يُنجَب. كتبت ذات يوم: "ما أن أنجِب حتّى أتحول إلى أمّ، ويتحوّل طفلي إلى أداة لممارسة هذه الأمومة بعيدا تماما عن الطّفولة، إذ ما نراه في الطّفولة أمومتنا أكثر من أيّ شيء آخر، لا أريد لكائن من كان أن يعيش تحت ظلّي، بل تحت الشّمس، كما يليق به أن يعيش، وكما يليق بيَ أن يعيش، وأخاف كلّ الخوف ألاّ أفعل، أخاف أن أحسب أن ظلّي المريح أكثر أمانا من الشّمس الحارقة، وهو ليس كذلك أبدا."

وعي الفتاة بالأمومة هو ما يجعلها ترفض إنجاب الأطفال، سواء على المدى القصير المؤجل أو حتى على المدى الطويل، هو ليس وقوفا في وجه الطبيعة، ليس وقوفا في وجه الأمومة، بل تقديس لها واحترام لها، ليس وقوفا في وجه الرسالة الخالدة، بل قد تحمل الفتاة رسائل خالدة أخرى لها شكل آخر يحمل الاحترام والقداسة ذاتها. أنا اليوم أم لطفل يبلغ من العمر عامين، وأعتقد أنني أعرف جمالية معنى أن تقول فتاة: لا أريد أن أنجب الأطفال، وأعرف في الوقت نفسه جمالية معنى أن تقول أخرى: أريد إنجاب الكثير الكثير من الأطفال!.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة