د. مهند ملك
د. مهند ملك
3.4 k

بين مطرقة الصراحة وسندان الأفلام الإباحية

8/12/2017
ابنتي ولدتي أنتِ وتضاربت في رأسي الأفكار كأي أب، كيف سأنشئك، كیف سأعلمك ما هو صائب وما هو خاطئ، ھل سأجاوبك على كل ما تسألینه مھما احتوت أسئلتك على استفسارات یراھا مجتمعنا جریئة أم سأختبئ وراء أجوبة تدور في حلقة مفرغة؟ ھل سأدعك تكتشفین بمفردك أجوبة لھذه الأسئلة من مصادر ربما لیست بصحیحة أم سأرشدك إن طلبتي النصح، أتجنبنا الحدیث عن مواضیع كھذه سیحمیكي أم سیجعلكي أكثر وعیاً؟

  

ابنتي ندعي بأننا مجتمع محافظ ومثالي وبأن التكتم عن الحدیث عن الثقافة الجنسیة سیصرف تفكیر الناس عن مثل ھذه المواضیع متناسین بأنھا حالة بیولوجیة طبیعیة وبأنھا ضروریة كأي حاجة أخرى في الحیاة لكن ضمن ضوابط، زعمھم كان بأننا إن سلطنا الضوء على التوعیة الجنسیة سنفتح المجال للمارسات غیر مضبوطة، لكن ما رأیك إن أخبرتك أن نسبة التحرش تزداد یوماً بعد یوم،أتعلمین أنه في مصر وحدھا تتراوح نسبة الإناث اللاتي تعرضن لتحرش سواء لفظي كان أو جسدي من 80 60% ؟ فما الذي أنشأه الكبت والضعط سوى خمیرة لواقع أكثر سوءاً.

 

عندما نرید حمایة أنفسنا وأحبائنا من سوء ما لیس ھنالك من طریقة أكثر فعالیة من أن نجعلھم أكثر وعیاً تجاھه، ولحمایة أطفالنا من التحرش الجنسي یجب أن یتوفر لدیھم الحد الأدنى من المعرفة على الأقل من الناحلة الجسدية والعضویة دون خجل من تعلیمھم الأماكن التي لا یجب أن یسمحوا لأحد بالاقتراب منھا و ھذه أولى خطوات الوعي الجنسي المبكر. أذكر أنني قرأت مرة مقالا لامرأة تروي قصتھا عن التعرض للتحرش الجنسي وكیف أنھا كانت طفلة صغیرة وبقیت لفترة لیست بقصیرة عرضة للمضایقة من أحد أفراد عائلتھا ورغم ذلك لم تستطع التكلم مع أحد حینھا بالأمر لأنھا كانت خائفة، أكثر ما آلمني عند قراءتي لقصتھا كلمات ما زلت أذكرھا واسمحو لي أن أرویھا لیس بحرفیتھا "لو كنت أعي وقتھا ما كان یفعله بي لما التزمت الصمت، ربما لكنت صرخت على الأقل، ربما كنت سأذھب إلى والدتي لأخبرھا بما یحدث لو كنت أعرف الكلمات المناسبة أو كنت أعي ما كان یحصل معي".

 

 

ابنتي مھما أنكرنا الموضوع أو اعترفنا به إلا أن الجنس حاجة فطریة كأي حاجة أخرى أفلیس من الأجدى إذاً أن نعلم ما الصائب وما الخطأ، ماھو حقیقي وما ھو وھم وكذب، نفتقر إلى محتوى علمي جید یشرح لنا ما یدور في بالنا من أسئلة فنلجأ غالبا إلى مواقع لیس لھا مصداقیة تصور لنا الأمور بطریقة خاطئة ومبالغ بھا في كثیر من الأحیان وبعیدة كل البعد عن الواقع فترى الشباب ضحیة لمواقع استھلاكیة، لذا من الضروري أن نسلط الضوء أكثر على التوعیة الجنسیة بأسلوب دقیق وممنھج یجاوب على كل الاستفسارات التي قد تطرأ على بال أي منا مھما كان الموضوع جریئاً أو غریباً، لننظر إلیه على أنه موضوع تعلیمي بحت لأنه حقیقة كذلك ولنجنب الجیل الناشئ تبعات اعتقادات خاطئة.

   

في كل مرة كنت أقترح فیھا موضوع التعلیم والوعي الجنسي كانت الدنیا تقوم ثائرة ضدي، اتھمت بالتحریض على الانحلال الأخلاقي، واتھمت أیضا بأنني أرید إفساد المجتمع ونشر ثقافة ومفاھیم دخیلة على معتقداتنا، وكأن الموضوع برمته غریب علینا وكأننا كدول عربیة لا نحتل الصدارة بتصفح المواقع الإباحیة. في بلادنا یصعب التفریق بین الوعي الجنسي والإباحیة، فكل أمر مرتبط بھذه الأحرف الثلاث یشكل بالنسبة لدینا خطوطا حمراء لا یجور تجاوزھا، لكن لم لا ننظر إلیه على أنها أمر عادي وطبیعي، على أنها ثقافة یجب أن نتمتع بالحد الأدنى المطلوب منھا، أتعلمین أنني فقدت واحدا من أصدقائي نتیجة لممارسات خاطئة وأنني لا أرغب أن یتكرر الأمر مرة ثانیة. نسمع كثیرا عن الأمراض المنقولة جنسياً واھتمامنا بنشر الحد الأدنى من الوعي الجنسي سیساھم من الحد منھا وإن نظرنا إلیھا على الصعید الاجتماعي والمادي فإن تكلفة نشر ھذه الثقافة أقل بكثیر من التكلفة الصحیة التي ستدفع كنتیجة لعلاج ممارسات خاطئة.

  

ابنتي العزیزة منذ اللحظة الأولى التي أبصرتي بھا النور عاھدت نفسي أن أحمیكي من كل مكروه بكل ما أوتیت من قوة، عاھدت نفسي أن یصبح أمنك وسعادتك شغلي الشاغل وأن أكون أباً وناصحاً وصدیقاً أیضاً، لا أعدك أن أكون الأب المثالي أدرك أنني سأفشل ببعض المواقف وسأنجح ببعضھا لكنني أعدك بشيء واحد بأن أبذل قصارى جھدي، ألا أخجل على إجابتك عن أي سؤال مھما كان نوعه أن أحملك بالمعرفة الكافیة بأي موضوع أساسي في الحیاة مھما حمل من جرأة أو اختلاف لما تعودنا علیه، تجاھلنا ومحاولاتنا التجنب عن ھذا الحدیث لن تولد سوى كبت أكبر ومشاكل أكبرولن أحاول أن أغطي الشمس بغربال.

#يتصدر_الآن

تحت عيون الغرب.. هل هناك علاقة بين الدراسات النسوية والخطاب الاستعماري؟

تحليل التفسير الخطابي الذي تصوره النسوية الغربية عن نساء العالم الثالث يمكن اعتباره خطوة أولى نحو مشروع آن أوانه، وهو صياغة استراتيجيات نسوية مستقلة من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية.

1.6 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة