محمد مختار قنديل
محمد مختار قنديل
393

بين خَذْف داعش وإرهاب القاعدة

16/2/2017
تناول منظر السلفية الجهادية البارز "أبي قتادة الفلسطيني" مفهوم "الخَذْف" في كتابه "الأربعون الجياد لأهل التوحيد والجهاد"، ويعود ذلك المفهوم للحديث النبوي "عن عبد الله بن مُغفل رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخَذْف وقال: (إنه لا يقتل الصّيد ولا ينكأ العدوّ، وإنه يفقأ العين ويكسر السّن)"، والخَذْف لغة يعنى به الرمي بالحصى الصغار، وفي عرف السلفية الجهادية هو توجيه الضربات الطفولية التي لا قيمة لها ضد عدو أكبر وأكثر قدرة، ويعد مانعا من موانع الجهاد وشرط له مقترن بشرط الاستطاعة، حيث أن ضعف العمليات التي تقوم بها تلك التنظيمات وإن أخذت بناء على التضخميات الإعلامية وزنا أكبر من وزنها الحقيقي، يؤدي في النهاية إلى كوراث أكبر من فوائده.

ولكننا اليوم نتناول المفهوم بصورة أكبر وأوسع شيئا ما من الحديث عن العمليات وحدها وقوتها، وإنما نتناوله من حيث الفوارق بين القاعدة وداعش من مرحلة الإعداد والتجنيد مرورا بتنفيذ العمليات وصولا إلى الشكل النهائي لكلا منهما.

بدءا من مرحلة التجنيد يختلف الأسلوب المتبع ما بين القاعدة وداعش، فمن ناحية القاعدة يعتمد التنظيم بصورة أساسية على مراحل اختبارية عدة سواء دينية أو عسكرية يمر بها كل من أراد أن يصبح عضوا في القاعدة، كما أنه كانت العديد من مراحل التحريات المشابه للأجهزة المخابراتية قبل قبول العضو وتجنيده، أما داعش فكل ما في الأمر هو إعلان البيعة للزعيم "خليفة المسلمين"، من ناحية العمليات التي يقوم بها التنظيمان، فالأمر أيضا مختلف، فالأساس في عرف القاعدة هو كسب الشعبية بشيء من الشرعية مراعين لأبعد الحدود مفهوم "التترس"، وضرورة الابتعاد قدر الإمكان عن إسقاط ضحايا من المسلمين، بخلاف تنظيم داعش الذي تخطى كافة حدود الوحشية، من حرق وذبح...إلخ.

تعثرت الأنظمة المتوجهة لمحاربة داعش في القضاء عليه لفترة من الزمن، فماذا لو أن تنظيما مثل القاعدة أعلن قيام الخلافة الإسلامية؟
من ناحية أخرى تأتي فكرة إقامة "الخلافة الإسلامية" وتطبيق الشريعة الإسلامية لتوضح مدى الفارق ما بين القاعدة وداعش، فمن ناحية تنظيم داعش فالأمر عندهم فرصة ليس إلا استغلوا فيها سوء الأوضاع وعدم الاستقرار في المنطقة لإعلان الخلافة من مناطق الرمزية التاريخية "دمشق وبغداد"، مما سهل لعملية التجنيد بالتنظيم، أما القاعدة فالأمر مرتبط لديها بتحركات وتنظير طويل الأمد وإلى الآن لم يعلن عن تلك الخلافة بفكر القاعدة، وربما يكون ذلك في القريب العاجل، ولك في كتابات بن لادن وأبو مصعب السوري خير دليلا.

القاعدة أيضا في عرف مشايخ السلفية الجهادية تنظيم جهادي بما تحمله الكلمة من مقاصد وحدود شرعية يجب مبايعته والسير في ركبه، أما داعش فهو تنظيم منحرف دعا العديد من الرموز في أكثر من موضع التخلي عنه والتوبة من أفعاله.

تأتي فكرة "العدو" لتضع مثالا أبرز للاختلاف بين الطرفين، فعلى الرغم من الاتفاق داخل السلفية الجهادية على ضرورة محاربة العدو البعيد والعدو القريب، إلا أن الاختلاف جاء على أساس الأولوية لمحاربة كل منهما، فالقاعدة ومنظريها رأوا محاربة العدو البعيد "الولايات المتحدة والغرب" وإضعافه ثم التفرغ للعدو القريب "الأنظمة العربية والإسلامية"، واستراتيجية القاعدة هنا تقوم على أن إضعاف العدو البعيد من حلفاء الأنظمة العربية والإسلامية -في وجهة نظرهم- من شأنها إضعاف الأنظمة العدو القريب ومن ثم تسهيل المهام، بخلاف تنظيم داعش الذي رأى أن الفرصة في ظل حالة عدم الاستقرار متاحة لمحاربة العدو القريب والانتصار عليه.

من ناحية تأسيس الفرد دينيا بما يسهل من عملية إعداده للقيام بأي عملية تطلب منه دون تراجع وبلا مقابل سوى الإغراء بالجنة، فلك أن تتخيل أن غالبية الأدبيات في الفكر الجهادي ترجع إلى شيوخ القاعدة أو دراويش التنظيم والموالين له، بخلاف داعش الذي غالبا ما تكون كتابات المرتبطين به مجرد تدوينات تنشر بمواقع ومنتديات جهادية دون كتب محققة وبها تقديمات لأسماء لشيوخ بارزة في السلفية الجهادية.

من ناحية كسب ولاء السكان في المناطق التي يتواجد بها التنظيم كنوع من أنواع الغطاء الوقائي وضمانا لحماية التنظيم، فإن تنظيم القاعدة غالبا ما راعى المعطيات السكانية في أماكن تواجده بتعيين قيادات من السكان المحليين كمسؤولين عن الفروع، أما تنظيم داعش فاعتمد بصورة أساسية في إنشائه لفروع على إيفاد عناصر من داخل القيادة المركزية لتولي مسؤولية قيادة الفرع.

ما يخدم وجود القاعدة؛ التخبط الواضح فيما بين القوى المؤثرة في العالم والمتضررة من الإرهاب، الأمر الذي يوجب إعادة الدول المنوط بها محاربة الإرهاب.
تلك بعض الاختلافات الرئيسية ما بين التنظيمين وهناك العديد منها، وسبب توجهنا لذكر مثل هذه الاختلافات هي القول بأن تحركات تنظيم القاعدة وخططه أعمق بكثير وأكثر دقة من تحركات تنظيم داعش والتي ظهرت في غالبيتها تحركات عشوائية غير محسوبة، وعلى الرغم من هذا تعثرت الأنظمة المتوجهة لمحاربة داعش في القضاء عليه لفترة من الزمن، فماذا لو أن تنظيما مثل القاعدة أعلن قيام الخلافة الإسلامية؟

الإجابة عن هذا السؤال تكمن في القول إن كل ما قام به تنظيم داعش من أفعال وعمليات ترى فيها من الوحشية ما قد كان يصعب عليك تخيله، لا تدخل في إطار الإرهاب بمفهومه الواسع وإنما تأتي في إطار "الخَذْف" من ناحية كونه غير محسوب وغير مخطط له بصورة دقيقة، أما تنظيم القاعدة حال ما يبدأ فعليا في التوجه نحو إعلان خلافته، فستكون المعركة شديدة الصعوبة على الأنظمة بما لا يدع مجالا للتخاذل والتقصير الذي اتسمت به المعركة ضد داعش، وتحركات القاعدة في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية تثبت أن القاعدة ما زال هنا وأنه لم يمت كما قيل.

ولعل ما يخدم وجود القاعدة؛ التخبط الواضح فيما بين القوى المؤثرة في العالم والمتضررة من الإرهاب، الأمر الذي يوجب إعادة الدول المنوط بها محاربة الإرهاب النظر في الاستراتيجيات والوسائل المتبعة والتطرق إلى خطط سياسية واقتصادية إصلاحية في الدول المصدرة للعنصر البشري خاصة اليمن، إلى جانب طرح وسيلة فكرية فعالة للتعامل مع التنظيمات الإرهابية ووقف نزوح الشباب نحو تلك التنظيمات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة