دكاكينُ تجارة الرسائل والأبحاث العلمية والجامعية

24/2/2017
عجيبة هي تلك الإعلانات التي تُصادفها على مواقع التواصل الاجتماعي، أو تراها مُلصقةً بالقرب من بعض الجامعات ومكاتب الخدمات الطلابية المُتاخمة للجامعات، أو تسمعُ صداها عبر محطات الراديوهات وأنت تتنقل مُستخدماً وسائل المواصلات. كل هذه الإعلانات وغيرها تُخاطب طلبة الجامعات الراغبين في إعداد أطروحاتٍ جامعية، سواء لمرحلة البكالوريوس أو الماجستير، وحتى الدكتوراه.

تابعت الأسبوع المُنصرم بشغفٍ واهتمامٍ تدوينة خاطفة لأحد أساتذة الجامعات الأردنية حُظيت بتفاعل كبير من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي، يُعلن فيها توقفه عن الإشراف الأكاديمي على الرسائل الجامعية. فهو، وكما جاء في كلماته، لا يريد أن يكون شاهد زورٍ على رسائل الطلبة الذين يستخدمون دكاكين الرسائل الجامعية وسيلةً للحصول على الشهادة، ولا يستطيع أن يُحرر بنفسه العمل الأكاديمي للطلبة دون جُهد منهم، وأن ما تعلمه خلال مسيرته الدراسية يدفعه إلى أن يتأمل واقعنا الأكاديمي أين يسير.

فكرة دُكان الرسائل الجامعية
تتعاقد بعض مكاتب الخدمات الطلابية التي تقوم بتصوير الكتب ونسخ الأوراق وغيرها من الخدمات الحاسوبية للطلبة، أو بعض الجهات التي تصف نفسها مراكز للأبحاث والدراسات، مع عددٍ من الأشخاص المؤهلين علمياً من حملة الشهادات العُليا والضالعين في أساليب البحث العلمي لكتابة الأبحاث العلمية والرسائل الجامعية والأكاديمية، مقابل مبالغٍ ماليةٍ يدفعها الطالب الراغب في الحصول على هذا (المُنتج)، بحيث يتم تقاسمه بينها وبين من أعد وكتب البحث أو الرسالة. ولا يقتصر ذلك على تخصص دون آخر، فهناك من يقوم بكتابة الأبحاث والرسائل الجامعية لطلبة تخصصات العلوم الإنسانية، ومثله من يقوم بكتابة الأبحاث، أو ابتكار الأفكار، وتصميم البرامج لطلبة العلوم الطبيعية. علماً بأن هذه الظاهرة مُنتشرةً في كليات العلوم الإنسانية بشكلٍ لافتٍ للأنظار. فكثير من طلبتنا صادف هذه الإعلانات، أو عُرض عليه مثلها مُقابل مبالغ مالية.

قد تصاب بالصدمة عندما تكتشف بأن العديد من جلسات مناقشة الرسائل الأكاديمية والأبحاث العلمية، وفي بعض الجامعات، تكون باتفاقٍ مُعد مُسبقاً ومعروف النتائج بين كادر وهيئة المُناقشة.
الطالب مُذنب وضحية
مُنذ أن يدخل الطالب إلى الجامعة، وإلى أن يتخرج، وفي أغلب جامعاتنا؛ قد لا يعترض مساره الدراسي مساقٌ أو اثنين يتعلق بآلية كتابة البحث العلمي، وأسسه المهنية، ومصداقية بياناته، ووسائل جمع المعلومات وتوثيقها. فأسلوب التلقين ما زال قائماً في أروقة الجامعات، وورقة الامتحان هي من تُحدد تفوق الطالب أو رسوبه، دون اللجوء إلى ما قد يُثير حفيظة الطالب علمياً وبحثياً، وتدفعه لأن يُخرج ما بداخله من طاقات. ناهيك عن حالة الإحباط التي قد يُصاب بها الطالب من هول الواقع الذي ينتظره بعد التخرج، ما يدفعه للدخول في حوارٍ ذاتيًّ مع نفسه، فلماذا أتحمل مشاق البحث والكتابة؟ في نهاية المطاف سيوضع هذا البحث أو ذاك العمل على رفوف الجامعة، وسأنفصل عن شهادتي لأعمل في مجالٍ غير الذي درسته بالجامعة. أو أن يكون هدفه من الالتحاق ببرامج الدراسات العُليا الحصول على استحقاقاتٍ ماديةٍ ووظيفية واجتماعية. فيكون اللجوء إلى مثل هذه الدكانين حلاً مُناسباً للتخلص من متاعب البحث والكتابة، واقتصار الوقت للحصول على الشهادة الجامعية. لكن، وواقعياً؛ فإن كل ذلك وغيره لا يُبرر للطالب لجوءه إلى شراء بحثه العلمي، أو رسالته الأكاديمية.

الجامعات ترى ولا ترى
ما يتبادر للأذهان في هذا الشأن؛ هل ترى الجامعات هذه الإعلانات؟ ألا تكتشف ذلك؟ ألم تتمكن كوادرها من ضبط هذه الحالة؟ أم أن سكوتها يعني قبولاً ضمنيًّا على مثل هذه السلوكيات والمسالك في البحث العلمي؟ كونها أضحت نهجا اعتاد عليه كثير من طلبتنا. مهما كانت الإجابة؛ فإن رأسمالية التعليم التي عصفت بمؤسساتنا التربوية والتعليمية بصفةٍ أساسية، وضخامة أعداد الطلبة، وكثافة المُلتحقين بكليات الدراسات العُليا على وجه الخصوص، وهدفية الطلبة المادية من هذا الالتحاق،؛ كلها تصب وفي وعاء حرف مؤسساتنا التعليمية عن مسارها الصحيح.

الأستاذ الجامعي بين إلزامية العمل والطالب والبحث العلمي
قد يكون الأستاذ الجامعي أكثر المحاور التي يقع على عاتقها كشف زيف عمل الطالب. فمؤهله العلمي، وخبرته الأكاديمية، وتمرسه البحثي، ومعرفته بقُدرات طلبته؛ تُمكنه، أو يجب أن تُمكنه، من معرفة حقيقة العمل الذي بين يديه. فالتدرج الأكاديمي للأساتذة داخل الجامعات يعتمد على مقدار ما ينجزه وينشره من أبحاثٍ ومقالاتٍ توصله لدرجةٍ علميةٍ معينة، وتكسبه الخبرة اللازمة لقراءة الأبحاث ومعرفة حقيقتها ومصادرها. لكنك قد تصاب بالصدمة عندما تكتشف بأن العديد من جلسات مناقشة الرسائل الأكاديمية والأبحاث العلمية، وفي بعض الجامعات، تكون باتفاقٍ مُعد مُسبقاً ومعروف النتائج بين كادر وهيئة المُناقشة، أو أن الأستاذ الجامعي مُلزمٌ بالإشراف على بعضٍ منها، أو أن يكون الطالب صاحب سلطة ومكانة اجتماعيةً مُعنية تجعله أقوى من أستاذه الجامعي سياسياً واجتماعياً. ما يوقع الأستاذ الجامعي بين إلزامية عمله الأكاديمي، ونوعية الطالب الذي أمامه، وقبول البحث العلمي المُقدم إليه. وهي معادلة تُدخله في حيثيات قبول العمل أو رفضه، وما قد يترتب على قراره هذا.

إن نظامنا التعليمي تأثر بصورةٍ كبيرةٍ بنمطية الحياة الاستهلاكية. فارتفاع تكاليف الحياة قد تُجبرك على المُفاضلة بين جودة العلم، ومصداقية البحث العلمي، وتأمين تكاليف هذه الحياة.
هشاشة البحث العلمي العربي
أينما تلتفت في هذا الموضوع، تقرأ وتبحث وتتساءل؛ تجد أنه يُشير إلى هشاشة ورداءة البحث العلمي في بلادنا العربية، وعدم جديته والاهتمام به. فقد تكون مثل هذه الظواهر موجودةً في البلاد الغربية، وتلك المُتطورة والناهضة، وأنه يصعب تعميمها على جميع جامعاتنا العربية بكوادرها وإداراتها وطلبتها ومُخرجاتها؛ لكنها باتت ظاهرةً ملموسةً في واقعنا التعليمي والأكاديمي، مُجاهرٌ بها في وضح النهار، وعلى مرأى ومسمع الطالب والمُحاضر والمؤسسة الجامعية بأسرها، ليكون صاحب الدكان الخدماتي المكتبي هو من يشق للطالب طريقه نحو المعرفة والبحث العلمي، ليزيد ذلك من سوء جودة ونوعية مُخرجات مؤسساتنا التربوية والتعليمية، والتي أضحت مُخرجتها أقرب للعبثية والفوضوية.

صور الحاجة في تجارة الأبحاث والرسائل الجامعية
يكمن الدافع للجوء العديد من حملة الشهادات العُليا للعمل بهذا الحقل للحاجة المادية. فتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وغلاء الأسعار، وارتفاع نسب البطالة؛ تُجبر الخريجين للعمل كباحثين بالخفاء مُقابل مبالغ مالية. بل إن بعضهم قد يُفتح له باباً بالتعاقد مع بعض الأكاديميين ومراكز الأبحاث ممن يرغب/ ترغب بنشر دورياتٍ ومقالاتٍ وأبحاث، أو إعداد الأوراق العلمية المُحكمة للمشاركة في المؤتمرات والندوات. ولك أن تتخيل خليط المشاعر التي قد يُصاب بها من يعمل في هذه التجارة حينما يرى ويشاهد جُهده وعمله وقد ظفر به غيره، وقُدم له الشُكر والثناء، واستحق من خلاله درجةٍ جامعيةٍ وعلمية. ولا نتجاهل تلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي قد تدفع بالأستاذ الجامعي لغض الطرف عن مثل هذه الظواهر، وحتى وإن وقعت بين يديه، مع العلم بأن الأستاذ الأكاديمي مؤتمن بما يقدمه من علمٍ لطلبته. أما عن الطالب، فتلهفه للتخرج، والتخلص من الأعباء المادية الجامعية، والإحباط من الواقع المعيشي وربما الكسل والجهل، والانشغال بالأعمال الخاصة دون الاكتراث بالمساهمة الشخصية العلمية، وشهوة السلطة والارتقاء الوظيفي والاجتماعي؛ تدفعه للسلوك في هذه المسالك طمعاً بالحصول علة شهادةٍ أو درجة علميةٍ وجامعية.

إن نظامنا التعليمي ككل؛ تأثر بصورةٍ كبيرةٍ بنمطية الحياة الاستهلاكية التي نعتاشُها. فارتفاع تكاليف الحياة قد تُجبرك على المُفاضلة بين جودة العلم، ومصداقية البحث العلمي، وتأمين تكاليف هذه الحياة، ما يُفسر طبيعة العلاقة بين تُجار الرسائل الجامعية، والطالب الجامعي. فالاعتراف بهذا الوجع يُشير في باطنه إلى الاهتراء الذي بات يُلازم واقعنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة