حوار هادئ مع د. سلمان العودة

5/2/2017

بعض الحوادث لا تستوعبها العبارات..
تقف أمامها مشدوهاً تحاول استكناه حقيقتها فلا تستطيع، تجيل النظر في أبعادها، ثم ترجع البصر كرتين فيعييك الفهم ويخونك البيان، ولا تملك إزاءها إلا التسليم بقضاء الله وقدره، وتردد مع شيخنا يوسف القرضاوي قوله: وحكمة الله تخفي بعض أحيان.
 

ذلك المشهد هو ما انتابني حين علمت خبر وفاة السيدة هيا السياري زوج الشيخ سلمان العودة وابنه هشام في حادث سيارة بمدينة الرياض ..الشيخ سلمان -الذي سبق أن توفي ابنه عبدالرحمن- وهو في السجن، فرثاه بقصيدة أدمت قلوب الحجر، تفجعه المنون مرة أخري في بقية أهله، وإنها لشديدة رهبة الموت!
 

لم أكن أنتوي الكتابة عن مصاب الشيخ، فقضاء الله قد نفذ، ولا أؤمن كثيراً بجدوى الكلام إزاء الألم، لولا أن أمراً ما حدث جعل الكتابة فعل ضرورة وواجب تبليغ.. لا لأنها كلمات رثاء أو تعزية، ولكن لأنها تكشف بعض حكمة الله في ابتلاء المؤمنين..
 

شيخنا سلمان جاهر بالحق ولو جاء على حساب نفسه. ولم يكن ذلك مجرد تعليق عابرٍ، وإنما تعدى إلى نقد جزئيات كتابه وتفصيلاته، مقدماً قولة الحق على نفس سلمان.

ذكرني المصاب بمقال قديم كتبته بعنوان "حوار هادئ مع د. سلمان العودة" كان تعليقاً على كتاب للشيخ سلمان بعنوان "في حوار هادئ مع محمد الغزالي". استقرأ فيه مؤلفات الشيخ الغزالي عامة، وكتاب "السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث" خاصة، وجمع ما اعتبره "مثالب ومآخذ" على الشيخ وضمنها كتابه، ووزعه على فصول.. وبدأ يبرز هذه الـ "مثالب" وينتقدها، ويدلي فيها برأيه وحجته!
 

وأذكر أني -حينها- انتقدت الكتاب جملة وتفصيلاً.. بدءاً من الغلاف الذي ضمن عنوانه اسم الإمام الجليل محمد الغزالي مجرداً بلا لقب، وسلمان ذاك الشاب -الكتاب نشر ولما يبلغ الثلاثين بعد- سبق اسمه بلقب بالشيخ. انتهاء بقضيته الأصلية التي جعلت منهج الشيخ الغزالي هو انحراف عن جادة الصواب!
 

وأشرت إلى أن القضية ليست صراعاً بين حق وباطل، أو نقاشاً بين خطأ وصواب، وإنما هي في حقيقتها خلاف بين مدرستين من مدارس الفكر الإسلامي المعاصرين، لكل منهما منهجها وسماتها.. المدرسة التقليدية "السلفية الوهابية" التي ينتمى إليها الشيخ سلمان، ومدرسة التجديد والإحياء والتي يمثلها الإمام الجليل محمد الغزالي.. واعتبرت الكتاب سقطة للشيخ رجوت أن يتراجع عنها!
 

وبعد حين من الدهر، وقفت علي مقال للشيخ سلمان بعنوان: "الكتاب الأزرق حوار مع الغزالي"، يقول عن نفسه:
"شعرت بالحرج حين رأيت غلاف الكتاب الأزرق مكتوباً في أعلاه (الشيخ سلمان)، كنتُ وقتها معيداً في كلية الشريعة أُحضِّر لرسالة الماجستير في الحديث النبوي وعلومه، وزاد الحرج أن عنوان الكتاب كان هو "في حوار هادئ مع محمد الغزالي"، حماس الشباب الذين طبعوا الكتاب وأضفوا عليَّ لقب (الشيخ)، ينم عن غضبةٍ ممزوجةٍ متعددة الدوافع، حجبت عن الشيخ الكبير سناً وقدراً وعطاءً أيّ لقب وذكرته باسمه المجرَّد"، "كانت هذه الملحوظة الشكلية المُعبِّرة أول إشارة سلبية عكّرت فرحي برؤية اسمي مخطوطاً على واجهة كتابٍ!".
 

من يقرأ مقال الشيخ سلمان ويرى الرجل يستدرك على نفسه منهج الكتاب وغايته، حتى ثناياه الصغيرة، ويبرزها بين الناس لن يستغرب عظم هذا الابتلاء "وفاة زوجته وابنه".

لله ما أصدق هذا الشعور وأنبله، لقد عرف تاريخنا ثلة من المفكرين الكبار الذين جاهروا بآرائهم العليلة حتى بلغت مبلغ الليل والنهار، ثم تراجعوا عنها -آخر الأمر- في الخفاء حتى يحفظوا ماء وجوههم، ولو كان ذلك على حساب كتمان الحق وعدم تبليغه، لكن شيخنا سلمان جاهر بالحق ولو جاء على حساب نفسه.ولم يكن ذلك مجرد تعليق عابرٍ، أو كلمة جرت مجرى الدارج من القول، وإنما تعدى إلى نقد جزئيات كتابه وتفصيلاته، مقدماً قولة الحق على نفس سلمان..
 

يسأله المحرر: نُقل عنك أنك تقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما كتبت ذلك الحوار الهادئ..؟ قال: لم أندم على ما مضى وقُدّر، ولكني لن أكرر ما فعلت، ولن أطبع الكتاب، وسأظل معترفاً بفضل الله عليَّ أن جعلني في قائمة البشر الخطّائين، وأعانني على تصويب نفسي وإشهار مخالفتي لذاتي، ولو بعد حين.
 

من يقرأ مقال الشيخ سلمان ويرى الرجل يستدرك على نفسه منهج الكتاب وغايته، حتى ثناياه الصغيرة، ويبرزها بين الناس لن يستغرب عظم هذا الابتلاء.. من يرى سلمان ينتقد نفس سلمان القديمة، يدرك أنه لا يعرف قدر الرجال إلا الرجال، وأن المخلصون -حقاً- هم أهل الابتلاء، والمرء يبتلى على قدر دينه!فرحمة الله وبركاته عليك يا شيخ سلمان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة