د. ماهر يونس أبو منشار
د. ماهر يونس أبو منشار
1.6 k

هل هي الحملة الصليبية التاسعة؟

2/3/2017
يتعرض الإسلام والمسلمون في هذه الأيام إلى حملة شرسة وتشويه لا حد له من قِبل بعض الدوائر السياسية والدينية والإعلامية الغربية، تشابهه بطريقة أو بأخرى لتلك الحملات التشويهية الواسعة التي بثها منظمو الحملات الصليبية قبل قرون عديدة لإقناع شعوبهم للقيام بالحملات الصليبية وتسويغ احتلالهم لأراضي المسلمين ومقدساتهم، علاوة على ذبح المسلمين وهتك أعراضهم.

ومن الملاحظ أن تلك الحملات التشويهية كانت في الأساس تقوم على فكرة إيجاد العدو المصطنع ومن ثم تبرر الغزو والحرب للقضاء على هذا العدو، فقد أشاعت البابوية بشكل موسع مجموعة من الادعاءات والافتراءات بأن المسلمين سفاحين وقتلة ومجرمين، وأن المسيحيين يتعرضون لأقسى أنواع الظلم والاضطهاد في المشرق الإسلامي، فهم محرمون من تطبيق تعاليم دينهم وعقائدهم، كما أن أبناءهم يُرغمون على الدخول في الإسلام وأن نساءهم يُرغمون على ممارسة الزنا والرذيلة، وأن قبر "المسيح" عليه السلام يتعرض بشكل ممنهج إلى التدنيس والإهانة، وأن المسلمين وثنيين لا دين لهم، وغيرها من الافتراءات والتشويه.

كل هذه التشويهات انما قصد بها تعبئة الشعب ضد المسلمين على اعتبار أنهم عدوٌ لا بد من الخلاص منه واستئصاله. وقد أحببت أن أبين هنا ما كان يحدث في الماضي وما يحصل في هذه الأيام لأرى إن كنا نعيش في إرهاصات الحملة الصليبية التاسعة.

التركيز في كل محفل على مصطلح الإرهاب الإسلامي يحمل في طياته اتهاماً مبطناً للدين الإسلامي نفسه قبل أن يكون الاتهام موجهاً إلى بعض أفراده ممن يمارسون العنف. وبذلك، لن يتأسف أحدٌ لو قتل أطفال أو نساء مسلمات أو هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم.
لا شك أن الحملة الدعائية الكبيرة ضد الإسلام والمسلمين قد آتت أكلها، فقد تعرض العالم الإسلامي في السنوات ما بين 1095-1291م إلى مجموعة من الحملات الصليبية وصل عددها إلى الثمانية، وتُعتبر الحملة الصليبية الأولى والتي بدأت إرهاصاتها في 1095م، ثم توجت في عام 1009م باحتلال بيت المقدس وذبح سكانه، أهم هذه الحملات من ناحية المقدمة والأحداث والنتائج. ثم تتالت الحملات الصليبية واحدة تلو الأخرى. وكان من أهمها الحملة الصليبية الثالثة، والتي كان يقودها الملك ريتشارد الأول (قلب الأسد) ملك إنجلترا، وقد انتهت هذه الحملة بتوقيع اتفاقية السلام والصلح بين الصليبين والمسلمين والتي عُرفت بصلح الرملة عام 1192 م.

بعد ذلك، شاع في الغرب الأوروبي استراتيجية جديدة وخطيرة مفادها بأن الصليبين لن ولم يستطيعوا احتلال بيت المقدس أو المحافظة على السيطرة عليه إلا إذا كانت مصر تحت أيديهم، وإن لم يستطيعوا فعلى الأقل تحييدها أو إضعاف مكانتها. ومن الواضح أن الصليبين قد أدركوا تماماً الدور الاستراتيجي والمحوري الذي كانت تلعبه مصر في المحافظة على بيت المقدس، بالإضافة إلى الدور الريادي لمصر في الصراع الإسلامي –الصليبي، لذلك توجهت الحملتين الخامسة والسابعة إلى مصر بدلاً من التوجه إلى بلاد الشام، وسعى الصليبيون في تلك الحملتين لتحقيق أهدافهم، إلا أنهم فشلوا ولم تسقط مصر بأيديهم. أما الحملة الصليبية السادسة فقد انتهت بعد أن سلم الملك الكامل الأيوبي حاكم مصر للأسف بيت المقدس للإمبراطور فريدريك الثاني سلماً لمدة عشر سنوات بعد توقيع اتفاقية يافا عام 1229م. أما الحملة الثامنة، فلم يكن لها دور أو أثر جوهري يُذكر في الأحداث التاريخية.

لا يختلف اثنان أن جُل التهم بالتطرف والإرهاب ثم التشويه قد طالت الإسلام والمسلمين في الآونة الأخيرة بسبب تصرفات وأعمال بعض الأفراد والجماعات من بينهم. ولا أبرر بحال من الأحوال تلك الأعمال والتصرفات. لكن علينا أن نسأل: أليست هي نفس السياسة، وأقصد هنا اصطناع العدو أو صنعه ومن ثم تبرير وجوده للغزو والقتل.

إن إعطاء الصورة المضخمة لقوة هذه الحركات والجماعات الإسلامية، وأنها قادرة على الوصول والضرب في كل مكان، والتركيز على بعض التصرفات غير المشروعة لهذه الجماعات مع أبناء الأقليات غير المسلمة هنا وهناك، وإشعار أبناء المجتمعات الغربية أن الخطر داهم ولا بد من غزو بلاد المسلمين للتخلص من الإرهاب في عقر داره هي سياسة قديمة حديثة لا تختلف بحال عن الدعاية التي حصلت أثناء الحروب الصليبية، كما أن التركيز في كل محفل على مصطلح الإرهاب الإسلامي يحمل في طياته اتهاماً مبطناً للدين الإسلامي نفسه قبل أن يكون الاتهام موجهاً إلى بعض أفراده ممن يمارسون العنف. وبذلك، لن يتأسف أحدٌ لو قتل أطفال أو نساء مسلمات أو هدمت بيوتهم فوق رؤوسهم أثناء القتال مع أفراد تلك الجماعات، وهذا ما يحصل وللأسف في كل يوم وفي كل ساعة. أليست إذن هي الحملة الصليبية التاسعة؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة