العزلة من أيديولوجيات الحياة الاجتماعية

26/3/2017
العزلة هي عبارة عن مجموعة كبيرة من المشاعر والأحاسيس المختلطة، السيئة والمقلقة للنفس البشرية، يرى فيها الشخص الجانب المظلم للحياة ويبدأ باستغلاظ المواقف التي يمر بها في حياته اليومية، فما هي أبعاد تلك العزلة وما هي آثارها على صحة الفرد وعلاقاته الاجتماعية؟

في البداية فلنتفق على أن العزلة هي من أقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان في تلك الفترة من فترات حياته، يشعر بها الشخص باستقلالية أفكاره اتجاه كافة البشر في المجتمع، فينطوي عنهم بوحدته، فيتبين أنه غير قادر على مواجهة نفسه ومواجهة التحديات الحياتية، ويغلب طابعه الصمت الكثير والانفراد بالجلوس وحيداً، فهو يرى أن كافة البشر متشابهي الطباع ومتماثلي الشخصية. وقد تبدأ العزلة من الشعور بالظلم، أو تكون نتاج مواقف تصادمية مع بعض البشر قد تولِّد كراهية لدى الشخص المعزول، أو عندما يتعرض ذلك الشخص للإهانة أو الفشل، والفشل هنا سواءً أكان فشلاً ماديا أو معنوياً أو حتى عاطفياً، فجميعها تُشتِّت أركان الثقة بالنفس، وتزعزع إيمان الشخص وتصالحه مع نفسه، وهنا تبدأ لعبة العقل البشري الذي يُشغل صاحبه بتصوراته للحياة السلبية، ولعل من أخطر مراحل العزلة هي الاكتئاب النفسي المسيطر على العقل والجسد.

تمعنتُ كثيراً وكثيراً في العزلة فوجدتها أفضل بكثير من النفاق والرياء الذي نراه في مجتمعاتنا اليوم، العزلة تصون الجسد والعقل وتعشق الظلام.
فالاكتئاب هو شعور نفسي غليظ يستوطن صاحبه، ينفيه إلى غربة لا يعرفُ بها أحداً، يشعره باختناق طيلة الوقت، يفكرُ كثيراً ويحدق لنفسه طيلة الوقت، ويتذمر حيال كل تفصيلة من تفاصيله الصغيرة حتى ولو لم تكن ذا أهمية، يشعرُ بضيق، نبضات قلبه تبدأ بالتسارع، وموسيقى حزينة كفيلة بوصوله لأقصى مراحل الاكتئاب النفسي، الاكتئاب وسواس الذات القاتل لكافة المشاعر، تصبحُ إنساناً أجوف فارغا مجرد الأحاسيس، قد تجرحُ وتؤذي به بعضهم دون أن تشعر، لا تطيقُ محادثة أحد ولا الدخول في جدال مع أحد، تغلق على نفسك أغلب الوقت ليتسنى لك الجلوس مع نفسك، بعقلية مشوشة وقلب مُغيب، استطعتُ أن أصفه بمدينة فارغة، لا مباني ولا أشجار ولا بشر، فقط أنت وهمومك التي تسكنها، ونجد أيضاً أن الشخص المنعزل يطرح على نفسه الكثير من الأسئلة تكون بدايتها ونهايتها بكلمة (لماذا)؟!

العزلة واقع مؤلم للضعفاء الذين تتملكهم هذه الهواجس، مما يكلفهم خسارة فادحة في علاقاتهم الاجتماعية المبنية على فكر الاختلاط والنسيج الروحاني المشترك بين روابط أفراد المجتمع، ولكن في كثير من الأحيان نحكم على الأشخاص من منطلق المظهر، فمباشرة يقوم العقل بتحليل وتشخيص هذا الشخص بناءً على ذلك، ولكن في حقيقة الأمر فإنه من غير المنطقي تفسير وبناء تلك الملاحظات على أساس المظهر فقط، فالمظاهر خدّاعة في أغلب الأحيان، في ظل مجتمع متسلط لا يرحم الضعفاء، لا يعطيهم أدنى حقوقهم من الوقت الكافي لمداواة انفصاماتهم، يبادرون بالسخرية والتحليلات الخاطئة بالحُكم على هذا الشخص، لأنه فقط يحتاج للوقت الكافي من الابتعاد عنهم لمداواة نفسه والوقوف من جديد. قد يتغير هذا الشخص بمعاملته لك، ليس لأنه كذلك بل لأن هناك من الجراح والآلام التي تعتليه ما يكفي لإطاحة شخصيته الحقيقية.

تمعنتُ كثيراً وكثيراً في العزلة فوجدتها أفضل بكثير من النفاق والرياء الذي نراه في مجتمعاتنا اليوم. العزلة تصون الجسد والعقل وتعشق الظلام، ففي الظلام ومن بين سريري ومكتبتي الصغيرة وجدتُ نفسي، تعاملتُ في صباحي مع المنافقين وفي مسائي مع نفسي وأقلامي.. وكما قال ألبرتو مانغويل، فإن" القراءة أعطتني عذرًا مقبولًا لعزلتي، بل ربما أعطت مغزىً لتلك العزلة المفروضة عليّ"..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة