ياسر أحمد علي
ياسر أحمد علي
2.5 k

"قد شغفها حباً".. مساحات جديدة في الرواية النسوية الإسلامية

29/3/2017

في الندوة الأدبية التي أقيمت في "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج"، كانت المنصة الرئيسية مناصفة بين الرجال والنساء، وهو ما يعكس اقتحام المرأة لعالم الرواية الفلسطينية بثقة. فقد كان من النساء الكاتبتان جهاد الرجبي ونردين أبو نبعة اللتان أجابتا على أسئلة كثيرة عن الأدب النسوي الفلسطيني.


لم أكتب منذ سنوات نقداً لرواية أو لعمل أدبي، لانشغالي في كتابات من نوع آخر، وذلك منذ أن تركت الكتابة الأدبية لصالح الكتابة المختلطة بين الأدب والصحافة. كما أنني لم أعد أكتب عن النصوص البلاغية والمتخمة بالمعالجات التعبيرية منذ سنوات (آخر ما قرأت من هذا النوع رواية "سقف الكفاية").


إلا أنني وجدت في نصوص نردين أبو نبعة جديداً شجعني على الكتابة مرة أخرى. فقد سرّني التطور الذي تحقق في السنوات الأخيرة في الأدب النسوي الإسلامي الذي يتناول المقاومة بمختلف جوانبها ومحيطها، بعيداً عن النصوص الخطابية والمباشرة، وأعتقد أن تجربة هاتين الكاتبتين (الرجبي وأبو نبعة) فريدة في هذا المجال، ولم يسبقهما أحد بهذا التخصص والكثافة. ولم أشأ أن أكتب نصاً نقدياً تفصيلياً وفق فصول الرواية، لذلك أخترت أن أكتب بعيداً عنها، فهو ليس نقداً بل هو انطباعات عن نصوص أشبه بالمذكرات منها للرواية السردية التي أنحاز شخصياً إليها.

 

إن الكاتبة تدخل في لعبة التعبير عن رؤية ومشاعر الزوجتين بلسانيهما حتى تكاد تصدق فعلاً أنها مذكرات حقيقية، بلغة لا تكتبها إلا امرأة "شغفها الحب" فعلاً.

وهذا ما تتضمنه الرواية، فهي مذكرات امرأتين من زوجات قادة المقاومة، استطاعت أن تدمج بينهما في كتاب واحد، بسلاسة. حيث أن الكتاب هو عبارة عن مذكرات الشهيدة وداد (زوجة قائد المقاومة في غزة، محمد الضيف) التي وقعت في يديها مذكرات كتبتها هيام منذ عشرين عاماً (زوجة الشهيد يحيى عياش). بمجرد البدء بمطالعتها يأخذك "الشغف" لمتابعتها حتى الصفحة الأخيرة، خصوصاً أن الكاتبة تسبر أغوار قصص يعرف القارئ قشرتها سابقاً دون أن يعرف تفاصيلها، فتدفعه إلى متعة اكتشاف التفاصيل فيها.


ويدفعه "الشغف" إلى تفاصيل حياة القائدين الرمزين من خلال قصص قريبة منهما، رغم قلة التفاصيل والمعلومات، فإن الكاتبة تدخل في لعبة التعبير عن رؤية ومشاعر الزوجتين بلسانيهما حتى تكاد تصدق فعلاً أنها مذكرات حقيقية، بلغة لا تكتبها إلا امرأة "شغفها الحب" فعلاً. استطاعت الكاتبة أن تشتغل على مساحات ومفردات كانت محرّمة حتى وقت قريب على الروائيين الملتزمين، فكيف الأمر بالروائيات، كمفردات (الحب والشغف) وما يلحق بهما من تعبير عن هذا الحب الكبير، فأسست لتطوير جديد في اللغة (يشبه بدايات "عودة" الإسلاميين إلى قبول الموسيقى في تسعينيات القرن الماضي). وكان يحميها من انتقاد بعض ضيّقي الأفق في هذا المضمار أمران: الأول، أنها كتبته بقلم زوجات عاشقات، وليس بقلم عاشقات من خارج المؤسسة الزوجية. الثاني، أنها كتبته في ظلال رمزين كبيرين (الضيف وعياش) فكأن الشغف كان بين الراويتين (وداد وهيام) والقضية.


يُسجَّل للكاتبة أنها استطاعت -رغم قلّة المعلومات- الدخول إلى الحياة السرّيّة والخاصة لرموزٍ كانت تعيش مثلنا، لكننا لا نراها كشخوص، بل كأهداف وغايات أسمى. إلا أن هذه الرموز التي تجرّأت الكاتبة نردين على الدخول إلى عوالمها، وتمكنت من أنسنتها، لم تستطع أن تخرج من مثالية الرمز. فوقعت الكاتبة تحت سطوة الانبهار بهذين الرمزين، وهو أصلاً قد يكون السبب الأساسي الدافع لاختيار شخصيات الرواية، وهو انبهار إيجابي وسلبي في الوقت نفسه (وهو يشبه ما يصيب الصحفيين لدى مقابلتهم شخصيات كبيرة، فيسيطر التأدّب على أسئلته وطريقة طرحه لها). وهذا ما جعل الرواية مثالية في أمور تزيد وتنقص في الحياة (مثل الحب والعلاقات الزوجية والحذر الأمني الذي مارسته الزوجتان، حيث لم يبحْنَ بأسرارهنّ لأقرب المقربات إليهما)، فلم تعالِج أياً من الطباع السلبية لهذه الرموز، وعذرها في هذا قلة المعلومات، وانبهار مصادر حكايتها أيضاً بهذه الرموز.
 

الفصل الأخير جاء بديعاً، حيث تُدخلنا نردين في أسلوب "الواقعية السحرية"، وكنتُ قد توقعتُه على طريقة حنّا مينا في "نهاية رجل شجاع"، فيرويها شخص آخر، ولكنه جاء على لسان وداد بعد استشهادها.

في المقابل، استطاعت الكاتبة أن ترى العالم من غرفة محصنة لا يدخلها ضوء الشمس، وربما كانت تحت الأرض، وأن تواكب قضاياه وتحمل همّ تحريره من الظلم، من خلال رجل، تعرض لعدة محاولات اغتيال أصيب في بعضها حتى احترق جسده وتعثرت مشيته. وهو عالم رحب رغم ضيقه، وهمٌّ كبير لكنه ممكن رغم صعوبة حركة صاحبه. فكل ذلك يتحقق من خلال هِمَّته العالية وإيمانه بما يقوم به وإخلاصه وتضحيته.


الفصل الأخير جاء بديعاً، حيث تُدخلنا نردين في أسلوب "الواقعية السحرية"، وكنتُ قد توقعتُه على طريقة حنّا مينا في "نهاية رجل شجاع"، فيرويها شخص آخر، ولكنه جاء على لسان وداد بعد استشهادها. فرغم أن النهاية معروفة من خلال ما جرى في الواقع، إلا أن الكاتبة تركت النهاية مفتوحة بفقرة أخيرة أنهتها بـ "لا أدرى!!" (لن أعود للنص لأنقل الفقرة حرفياً، التزاماً بأني سأكتب التدوينة بعيداً عن الكتاب نفسه).


أخيراً، أكثر ما يلفت في الرواية هو هذا الكمّ من العاطفة التي استطاعت الكاتبة أن تعبّر عنها وتضخّها في النص، فكانت عباراتُها شعراً في ثوبٍ نثريّ، وهذا ما لا يستطيعه سوى شخصٍ اختزن الكثير منها، قبل أن تنفجر في كلمات وسطور.. رواية جميلة وجديرة بالحرص على قراءتها.. فأنا شخصياً "قد شغفتني قراءة".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة