د. أسامة الصالح
د. أسامة الصالح
739

فينومينولوجيا الروح.. الصراعات الفكرية لدى المجاهدين

3/3/2017
في الشام ثمّةَ أمورٌ تستعصي على الفهم.. فقد ينساق الرجل أو الجماعة لاسمٍ رنان يحقق له أملهُ السابق بأن يُمسك بحلمهِ الجميل الذي طالما داعبَ مخيلته، فلم يكن يغمضُ عينيه إلا على صورهم وأساطيرهم، وكأنّ الرعيلَ الأول يتجلىّ أمامَ عينيه، فها هو ذاك رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يحفّزُ المؤمنين على القتال ويعدهم بإحدى الحسنيين أنها لهم، ويستجدي ربه ويدعوه اللهمّ إن تهلك هذه العُصبة فلن تعبدَ في الأرض.. وملائكة الرحمن تثبت الذين آمنوا وتلقي في قلوب الذين كفروا الرعب..في هذا السياق كله يتناسى ذلك الرجل " الفكرة " التي جعلت من ذلك الحلم حُلماً جميلاً وليس من الأضغاث أو الكوابيس.


لعلّ قهرَ الرجال، وما صُب عليه من ألوانِ العذاب، قبل أن يغفو من شدةِ التعب الإنهاك هو الذي أفقده البوصَلة.. فبلال في بطحاء مكة يعذب، عاريَ الصدر مقطوعَ النفس أخذ منه الظمأ مأخذه، وعمار وخبّاب وصهيب، جميعُ عذاباتهم تمثّلت فيه.. ووقف وحيداً أمام نظامٍ عالمي اجتمع بهِ حقد أبي جهل وأبي لهب وفرعون وهامان وجنودهما، مع خبثِ ابن أبي سلول ونفاقه.. 
الآن يصحو والحلمُ أمامه، حملته إليه الطيورُ المهاجرة..


أَهوَ هوَ الحلم.. أم أنه الواقع؟! 

أدركَ سريعاً أن ذاك الطيفَ يدقُّ أبوابه ويستأذن الدخول، فأمسك به بكلتا يديه، وأخذ يغوصُ بدركاتِ اللاوعي الحسي إلى أعماقِ التاريخ يسافر إلى الشرق البعيد ويأمل بأن يجسّدَ ذلك الحلم، وهنا أُخَيَّ نَعذره.. فذاك هو المقطوع في البراري الذي ضلّت عنه راحلته وعليها زاده وطعامه، فعندما وجدها أخذ يقول اللهمّ أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح.


ثلاثُ سنين أو أربع تلاشت معها تلك النشوة وأخذ ذلك الحلم يصطدِمُ بأرضِ الواقع، فذهبت الغشاوةُ من أمام عينيه وأصبحت الصورةُ واضحةً جليّة.. و أدرك الرجل أن لا يُصلحَ حال آخرِ هذه الأمة، إلا ما أَصلح حال أولها..فقفلَ راجعاً إلى واقعه المعاصر، مُستلهماً بعض الخبرة والحنكة السابقة، مع كثيرٍ من الإحباطِ واليأس..النتيجةُ طبيعية.. فالحلمُ يبقى حلماً والواقعُ يبقى واقعاً، والمهم أنّك صَحوت.


بنظرةٍ متأملةٍ لما يزيدُ عن عشرةِ أحاديثَ بين الصحيح والحسن في فضل الشام وأهله، يتضحُ لنا بمبدأِ المخالفةِ أن لو كانت بلادُ الشام كغيرها من بلدان العالم آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، لمَا أوصى بها الرسول الكريم ورغّب فيها بتلك الشدة

الآن يا أخي تنهضُ من جديد.. تستلهمُ من الرعيلِ الأولِ جهدهم وصبرهم وجهادهم.. وتستخلص من دروسك السابقة أفضلَ أحكامها.. و لا تنسَ واقعك الحالي وفقهه ومرحلته، فنحن نعيش في مفصلِ التاريخ، ولعلّ تغيير وجه الأرض لن يكون إلا ممّا تحتَ قدميك، فالطيورُ المهاجرةُ أدرَكت يا أخي ما أدركتَه ولو متأخراً، و والله كم نُوُصِحت من عُلماءِ أهلِ الشام! لكن.. إن كان في الأمر سعة فنقول لهم كما قال يوسف لإخوته لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم.. فأنتم منّا ونحن منكم، ونذرُ ما وراءَ ذلك لرب العالمين سبحانه، ولا نُبرّأ أحداً من خطأ أخطأه مهاجراً كان أم أنصاريا، فلسنا ملائكة معصومين، وكلنا ذو خطأ.


بنظرةٍ متأملةٍ لما يزيدُ عن عشرةِ أحاديثَ بين الصحيح والحسن في فضل الشام وأهله، يتضحُ لنا بمبدأِ المخالفةِ أن لو كانت بلادُ الشام كغيرها من بلدان العالم آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان، لمَا أوصى بها الرسول الكريم ورغّب فيها بتلك الشدة، فلا أرضٌ كأرضها ولا جندٌ كجندها، فضلاً عن وصيتهِ لأمتهِ جمعاء بالشام، وربط الخيريّة في الأمّة بخيريّة هذه البقعة وساكنيها، و للمزيد نقول أنّ الله جل في علاه لم يكن ليتكفلَ بها بصحيح ما رواه نبيّنا إلا لِعظَمِ ما سيحدثُ فيها، والذي تجلّى شيء منه أمام أعيننا كالشمس في رابعة النهار.


فتعال يا أخي نمضي قُدماً معتصمين بحبلِ الله جميعاً إلى أمرٍ قد كتبه الله علينا، واثقين بنصره وهداه.. فما كان الله تعالى ليحرّك هذه الأمّة من رقادها لكي يبيدها ويفنيها، إنما حرّكها لتتصدّر ساحات المجد والرفعة، وتعلي لهذا الدين رايةً خفاقةً لا ترنو لها راية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة