إميلي حصروتي
إميلي حصروتي
2.8 k

عن فريق جايسن

12/4/2017

منذ بدأ جايسن المشي واكتشاف العالم من حوله في منزلنا وفي الأماكن التي نزورها، أي في عمر العامين تقريباً، عرفت أنه أصبح لزاماً عليّ أن أخبر الموجودين معنا أنه مصاب باضطراب التوحد. كثير من الأهل لا يريدون مشاركة هذه المعلومة مع محيطهم ومع "الأغراب" تحديداً، لكني اخترت أن أفعل العكس ولديّ سبب جيد آمل أن يقنع الأهل المترددين.

 

بداية، إن التوحد ليس مرضاً عقلياً، صاحبه ليس غبياً أو مختل عقلياً، إنه مرض عصبي يؤثر على حسن عمل وظائف الدماغ في ثلاثة مواضع: اللغة والمهارات الإجتماعية والتخيّل. الواقع أيضاً أن مصابي اضطراب التوحد يعانون من "اختلال حسّي" يختلف من مصاب لآخر، فعمل الحواس لدى الشخص النموذجي هو نقل المعلومات الحسيّة عبر الأعصاب إلى الدماغ لإعطاء ردّ الفعل المناسب، ولكن إذا كان عمل هذه الأعصاب مضطرباً أو شديد الحساسية سيكون ردّ الفعل على ما يشعر به المصاب بالتوحد مضطرباً أو عنيفاً وبالتالي "غريباً" بالنسبة لمن يشاهده.

 

أريد أن أفكّر فقط بهؤلاء الذين صنعوا من بيوتهم العزيزة ملاعباً باتساع الكون لجايسن، والذين صنعوا مِنْ أحضانهم الدافئة مسرحاً للمصارعة ولضحكٍ لا ينتهي

عندما نقول كلمة "الحواس" قد نفكّر فوراً في الحواس الخمس من لمس وشمّ وبصر وسمع وتذوّق، لكن هناك أيضاً حواس باطنية مسؤولة عن التوازن والحركة والشدّ العضلي وأخرى مسؤولة عن الشعور بالجوع والعطش والتعب والضيق والارتياح والإثارة.. كل هذه الحواس يلزمها أعصاب تنقل رسائلها إلى الدماغ وأي اختلال في عمل الأعصاب يعني اختلال في وصول هذه الرسائل وردّ الفعل عليها.

 

عندما اتخذت قراري بإخبار من نزورهم أو يزوروننا بإصابة ولدي، قررت أن أحوّل كل شخص على علاقة بنا إلى لاعب في فريق جايسن وليس إلى لاعب ضدّه، فكيف يترجم ذلك؟ سأعطيكم مثالا على ذلك: خلال زيارة اجتماعية قد يقوم جايسن بإطفاء التلفزيون في غرفة يتحلق فيها الأطفال حول فيلم كرتوني بحماسة صاخبة بينما يسترخي الكبار، فيهبّ الصغار ناقمين على جايسن ويشتكونه لأهلهم. في هذه الحالة إن كان الموجودون غير عالِمين بحساسية الحواس المرتفعة في حالة ابني سيتحوّلون فريقاً ضدّه وسينتظرون مني "تربيته"، بينما إن كانوا في فريق جايسن سيمتصّون غضب أبنائهم بتحويلهم لنشاط آخر أو سيتبرّع أحدهم بأخذ جايسن في مشوار بالسيارة بينما أستمتع أنا بوقتي.

 

لاحِظوا أني حتى الآن استخدمت نموذج حساسية السمع، لم أضف إليها باقي الحواس وتنوع درجات حساسيتها. فالألون الفاقعة من الفيلم وروائح عطور الموجودين ورائحة القهوة أو الطعام ودرجة حرارة الغرفة، كلها عوامل يتعامل معها ابني بشكل مختلف عن طفل نموذجي وسيكون ردّ فعله مضاعفاً عن الأطفال النموذجيين ومُستغرباً منهم.

 

في السياق نفسه، تصوّر أن يكسر ولدك يده، فهل تجعله يحمل الأثقال بها؟ قطعاً لا، ستحميه وستطلب من الجميع مداراة يده، لكن الكسر عطب ظاهر شائع ومفهوم بينما عطب ابني غير ظاهر ويجب ان أشرحه كل مرة. أعلم أن قسماً كبيراً من الاشخاص الذين أكلمهم لا يستمعون فعلاً لما أقول.. تماماً مثل الأعداد التي بدأت بقراءة تدوينتي هذه اليوم ولم تكملها. سأخبركم شيئاً آخر؛ أحياناً لا أريد أن أفكّر بعدد "الأصدقاء (؟)" الذين خسرتهم على الطريق في مشواري مع جايسن، أولئك الذين كفّوا عن توجيه الدعوة لنا لزيارتهم أو لمشاركتهم في حفلات كنّا لا نغيب عنها قبل ظهور عوارض التوحد لدى ولدي.

 

فريق جايسن يكبر مع الوقت، لأني قررت أن يكون الكلام لمصلحة ولدي، فكل ولد يحتاج أن يكون له فريق من الأحبّة لتمكينه وجايسن مثل باقي الأطفال.. وأكثر.

لا أريد أن أفكّر بالأشخاص الذين قرروا أن سعادة أبنائهم في يوم العطلة لا تحتمل تعريضهم لتحمّل "ثقل دم" جايسن عندما لا يجيد اللعب معهم أو يخرب لهم لعبة يستمتعون بها لأسباب لا يفهمها إلا هو وحده. أريد أن أفكّر فقط بهؤلاء الذين صنعوا من بيوتهم العزيزة ملاعباً باتساع الكون لجايسن، والذين صنعوا مِنْ أحضانهم الدافئة مسرحاً للمصارعة ولضحكٍ لا ينتهي، أريد التفكير بالذين تركوا الكنبة ووقارهم وجلسوا أرضاً بجانبه يستمعون لكلماته المترددة ويصنعون منها معنى ويجربون ألعاباً يفهمها ويستمتعون معه.

 

أشعر بغصّة كبيرة وأنا أكتب هذه الكلمات، فهناك مرّات لا أستطيع فيها أن أكون صلبة كما يجب بل أشتهي أن أتكوّر أرضاً وأبكي. أن أبكي صعوبة الأيام القادمة عندما يكبر جايسن وأصغر أنا، أن أبكي بلادة قلب أقرب الناس إلينا أولئك الذين لا يجيدون التقرّب منه ولا تعنيهم معرفة أموره كأنه غير سويّ وغير مرئي أو كأنه الحصان الخاسر في رهان المستقبل.

 

لكن هذه الغصّة كشُعورٍ عابرٍ جداً، الحمدلله، فريق جايسن يكبر مع الوقت، لأني قررت أن يكون الكلام لمصلحة ولدي، فكل ولد يحتاج أن يكون له فريق من الأحبّة لتمكينه وجايسن مثل باقي الأطفال.. وأكثر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة