نبيل بكاني
نبيل بكاني
397

مسيحيو الشرق الأوسط من اضطهاد إلى اضطهاد

12/4/2017

مما لا شك فيه أن الصراعات المسلحة الدائرة في مناطق النزاع في الشرق الأوسط، لا تستثني عرقا أو طائفة وليس لها ضحايا من جهة محددة، غير أن المؤكد والذي توثقه التقارير الإعلامية وغير الإعلامية وحتى الأرقام المتضاربة، أن الأقليات سواء الدينية أو العرقية تبقى الضحية الأبرز والأكثر استهدافا من بين المدنيين. وما لا يمكن إنكاره أنه إلى جانب مجموعة من الأقليات الدينية والقومية كالايزيديين والشيعة والأكراد والدروز، فان أتباع الديانة المسيحية بمختلف مذاهبها وكنائسها وباعتبار أنها تمثل الجزء الأكبر ضمن خارطة الأقليات الدينية، تبقى الأكثر استهدافا في المناطق المشمولة بهذا الصراع رغم أنها عاشت فيها لقرون عديدة.

اضطهاد المسيحيين ليس ميزة تختص بها بؤر التوتر في منطقة الشرق الأوسط مثل سوريا والعراق، بل إنه حتى تلك المناطق التي تتمتع باستقرار أمني لكنها تشهد انقسامات سياسية حادة كمصر على وجه الخصوص، لا يمكن استثناءها من قائمة البلدان في المنطقة التي يضطهد فيها المسيحيون. وهذا الاضطهاد ليس وليد اليوم، وإنما لاعتبارات تاريخية كون المسيحية نشأت في هذه المنطقة بما أنها مهد جميع الديانات السماوية وبما أنها أيضا كانت الديانة الرسمية حتى القرن الرابع ميلادي وشكلت حتى أواخر القرن العشرين ما نسبته 20 بالمئة من حجم السكان، فقد عومل أتباعها كجاليات الى درج أنهم وسموا بـ"المستأمنين" أي طالبي الآمان على الرغم من أنهم من أصحاب الأرض.

 

في عهد الجمهوريات الحديثة التي تبنت نمط الدولة الوطنية شكلا فقط، كانت معاناة المسيحيين لا تقل فظاعة عن سابقاتها، فلم يسلم هؤلاء من الأطماع والتوظيف السياسي خدمة لمصالح ضيقة، وحافظوا على موقعهم على قائمة الأكثر استهدافا داخل منظومة ديكتاتورية اقصائية استئصالية.

ورغم أنهم عاشوا أزيد من ألفي سنة في المنطقة فإنهم في الوقت الحالي لا يتجاوزون الـ5 بالمئة، وقد ظلوا على مر الحقب ضحية لأطماع الحكام والأنظمة الديكتاتورية العربية، وقد ساهمت تلك الهجرات الواسعة والمتعاقبة كثيرا في تقلص أعدادهم. وإذا اعتبرت معاناتهم قاسية في عدة فترات تحت حكم الخلافة وخاصة في عصر الدولة العثمانية وما عرفته فترة 1915 و1917 من حملة إبادة وتهجير للأرمن بسبب عقيدتهم المسيحية وفيما تشير مصادر إلى ضلوع حركة تركيا الفتاة أو الشباب الأتراك القومية العلمانية التي قادت ثورة سنة 1908 وغيرت بموجبها الدستور، في جرائم الإبادة، فان مصادر تاريخية تشير أيضا إلى توقيع تركيا معاهدة سرية مع حليفتها ألمانيا في 1914، تنص على تغيير الحدود الشرقية للإمبراطورية العثمانية لضم ممر للوصول إلى القوميات المسلمة في الأرض الروسية ما يحيل على عملية استئصال للشعب ألأرمني من تلك المنطقة لغرض تجميع العنصر العثماني في مواجهة الحرب العالمية الأولى.

 

فإنهم كذلك في عهد الجمهوريات الحديثة التي تبنت نمط الدولة الوطنية شكلا فقط، كانت معاناتهم لا تقل فظاعة عن سابقاتها، فلم يسلم هؤلاء من الأطماع والتوظيف السياسي خدمة لمصالح ضيقة، وحافظوا على موقعهم على قائمة الأكثر استهدافا داخل منظومة ديكتاتورية اقصائية استئصالية. فبعد تلك السنين من التمييز خلال العصر الحديث سواء في مصر عهد مبارك أو تحت حكم صدام في العراق أو أسرة الأسد في سوريا، وجد العديد منهم أنفسهم، ولأجل تحقيق مطالبهم المشروعة، في صفوف مظاهرات "الربيع العربي" التي كانت أيقونتها "الكرامة والحرية"، وعقب سقوط نظام مبارك، تذوق مسيحيو مصر ومعهم نظراءهم في باقي المنطقة، طعم الأمل في العيش داخل دولة جديدة على أساس المواطنة التي يضمنها القانون والدستور في إطار مجموعة من الحقوق ينبغي أن يتمتع بها الجميع على قدم من العدالة والمساواة لا على أساسات عرقية أو مذهبية أو سلالية أو غيرها من اللبنات التي قامت عليها الدول "الحديثة" في أعقاب الاستقلال، غير أن الأمل ما لبث أن تحول إلى نكبة، وبدل تحقق العدالة والمساواة بين الجميع، وجد هؤلاء أنفسهم من جديد مطالبين بالتنازل عما تبقى من حقوق.


وإذا كان في مصر قد جرى العرف على تعيين وزيرين قبطيين في الحكومة، فان ذلك، وإن بدا مظهرا حضاريا بيد أنه لم يتجاوز ما هو شكلي، إذ ظل عموم الأقباط محرومين من تولي عدد من المناصب في الدولة، وإن كان وضعهم شهد تدهورا غير مسبوق في تاريخ مصر الحديث تحت حكم الإخوان، فان شيئا من ذلك لم يتغير في عهد عبد الفتاح السيسي الذي حكم البلاد بعد سقوط نظام مرسي، بقبضة حديدية. هذا وضعهم في مصر التي تعيش استقرارا أمنيا، أما في مناطق كسوريا والعراق حيث الصراعات المسلحة مشتدة.

 

لطالما اتهمت تيارات "الإسلام" المتطرف بالعدائية للأقليات الدينية في المنطقة، بيد أن موجة الربيع العربي وما تلاها من تغيرات سياسية عميقة وتجاذبات واصطفاف أيديولوجي، أماطت اللثام عن حقائق كانت على الدوام محل قلق

وبنظرة سريعة على عدد المسيحيين في لبنان قبل الحرب الأهلية حيث كان يشكل عددهم نحو 55 بالمئة من حجم السكان عام 1932 بينما لا يمثلون إلا 29 بالمئة في الوقت الحالي، فان ذلك يعطينا تصورا مبدئيا للوضع العام الذي تعيشه هذه الأقلية في مناطق الصراع. ففي الموصل مثلا، عندما سيطر تنظيم "الدولة الإسلامية" على المدينة استغل الفراغ العسكري فيها ونصب أبو بكر البغدادي على رأس "الخلافة الإسلامية" وفرض "عقيدته" على السكان، إذاك واجه المسيحيون وضعا عصيبا وصل إلى حد اضطهاد اتخذ عدة أشكال كوضع عبارات على منازل المسيحيين تفيد بضم تلك العقارات لحوزة الدولة الإسلامية أو تخييرهم بين المغادرة أو الإعدام، والأنكى من ذلك، ففي ليبيا أعدم 21 مصريا قبطيا اعتبرها التنظيم رسالة دم إلى "أمة الصليب"، وخيروهم في الرقة بسوريا بين دفع جزية من الذهب أو المغادرة كما تم الحد من ممارساتهم الدينية ومنها منع ترميم كنائسهم أو إظهار الصلبان في الأماكن العامة وعدم استخدام مكبرات الصوت أثناء ترتيل الإنجيل وحرم عليهم امتلاك سلاح ناري أو شرب الخمر كما جاء في تقرير للتايمز البريطانية.

لطالما اتهمت تيارات "الإسلام" المتطرف بالعدائية للأقليات الدينية في المنطقة، بيد أن موجة الربيع العربي وما تلاها من تغيرات سياسية عميقة وتجاذبات واصطفاف أيديولوجي، أماطت اللثام عن حقائق كانت على الدوام محل قلق، ليظهر الإسلام السياسي والذي تغنى بشعار الوسطية، برمته بأنه لا يحمل إلا الكره والانتقاص لتلك الطوائف. وفي الأخير نود أن نُذكر أن 75 من كل 100 قتلوا بسبب الكراهية الدينية كانوا مسيحيين؛ كما يبقى السؤال المطروح هل بالإمكان تصور مستقبل الشرق الأوسط من دون طوائفه، أو تصور هذه الطوائف في أوطان أخرى غير أوطانها الأصلية. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة