علي مُطَهَّرْ السَّوْدِي
علي مُطَهَّرْ السَّوْدِي
13.6 k

عن الفقر والفقراء

16/4/2017

يُنسب إلى "الشافعي" قوله شعراً:

 

يمشي الفقيرُ وكلُّ شيءٍ ضِدَّهُ *** والناسُ تغلقُ دونهُ أبوابَها

وتراهُ مبغوضاً وليسَ بِمُذنبٍ *** ويرى العداوةَ لا يرى أسبابَها

حتى الكلابَ إذا رأت ذا ثروةٍ *** خضعت لديهِ وحرَّكَتْ أذنابَها

وإذا رأت يوماً فقيراً عابراً *** نَبَحَتْ عليهِ وكَشَّرَتْ أنيابَها

 

اختلاف الناس في الرزق سنة كونية، تنتج عن اختلاف درجات فهمهم ومواهبهم واختلاف مصادر الرزق، وعوامل اجتماعية وجغرافية وعوامل أخرى جعلها الله أسباباً للمفاضلة في الرزق، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، ولكن ليبلو بعضهم ببعض ويمتحن صبر هذا وثبات ذاك {وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}

 

أسوأ من الفقر، الأبواب التي تُغلق (في وجوه) الفقراء، في نفس الوقت التي تُغلق (على) الأغنياء لقضاء حوائجهم في هدوء وسلاسة برغم تساوي القدرات إن لم يكن تفوق الفقراء عليهم.

ليست المشكلة في الفقر ما فيه من نقص في الأموال والأرزاق فقط، بل المشكلة فيما ينتج عنه من تغير في الأفكار والأعمال.

 

أسوأ من الفقر، انعدام ثقة الفقير بالمجتمع وفقدان احترامه لمبادئ التعايش، مما ينتج عنه التعدي على ممتلكات الغير سرقة، نهباً او غصباً.

 

أسوأ من الفقر، فقدان الرغبة في الحياة، وما ينتج عنه من البحث عن المهالك والانخراط في أعمال الإجرام والارتزاق في الحروب والصراعات لأجل كسب المال القذر، ومحصلة كل ذلك من الإخلال بحياة الفقير نفسه مع مجتمعه الظالم له.

 

أسوأ من الفقر، الأبواب التي تُغلق (في وجوه) الفقراء، في نفس الوقت التي تُغلق (على) الأغنياء لقضاء حوائجهم في هدوء وسلاسة برغم تساوي القدرات إن لم يكن تفوق الفقراء عليهم.

 

أسوأ من الفقر، ما يترتب عليه من تآكل قيم الكفاح والاجتهاد والعصامية والنزاهة للوصول الى الطموح والآمال، مقابل تغوّل قيم المحسوبيات والوساطات والمجاملات التي تُفتَح في وجوه أبناء الذوات حتى ولو كانوا بلا خيال ولا عقل ولا مواهب.

 

أسوأ ما في الفقر، انشغال الفقراء عن التعليم بتحصيل المال، فبينما يُفترض بأطفالهم أن يدخلوا المدارس تراهم في الشوارع أو المحلات، أو المتارس، وإذا قُدِّر لهم المقدرة على دخول المدارس، فتلك المخصصة لأمثالهم من المحرومين، ليس لها من المدارس إلا اسمها، وإذا قدر لهم مواصلة التعليم فبقدرٍ هائل من الضغوط وتحمل مشاقّ الحياة بحيث يصعب إن لم يكن (يستحيل) عليهم الأداء بشكلٍ جيد في التحصيل العلمي.

 

أسوأ من الفقر، هو منع الفقراء - في حال قدرتهم على التعليم والتأهيل - من الوصول الى مناصب أو مراتب قيادية، بحجة قلّة خبرتهم في إدارة شؤون الناس، وكيف تكون لديهم خبرة وغيرهم من أبناء الفاسدين مِن الأغنياء يتدربون منذ الصغر على قيادة الشعوب كقطعان تمّ توريثها من الوالد للولد، ليتخرج أحدهم من المدرسة او الجامعة مديراً أو قائد لواء، بينما نظراؤهم من الفقراء لم يحصلوا بعد على رقم قيد في سجلات التوظيف الهزيلة.

 

أسوأ من الفقر المبالغة في تطبيق القوانين والشروط إذا كان المعنيّ هو الفقير، وتجاهلها تماماً إذا كان الغني هو المعني بالأمر.

 

أسوأ من الفقر، الأمراض التي تفتك بهم، بسبب وضعهم المادي ومستوى المعيشة، وبسبب عدم قدرتهم على تحمل العلاج، فترى مريضهم يموت بأمراض أصبح وجودها وتسببها في الوفاة جزءاً من تاريخ الطب البعيد، فهم ينتظرون الموت لعدم قدرتهم على تحمل نفقات العلاج، ليكون موتهم وصمة عار في جبين الطب والسياسة والمجتمع.

 

أسوأ من الفقر، طعم المرارة الذي يظل عالقا في فم الفقير حتى لو أصبح غنياً فيما بعد.

 

ما هو أسوأ من الفقر؛ هو الفساد المجتمعي والسياسي والتعليمي والصحي والأخلاقي والنفسي الناتج عن تكدس المال والثراء في فئات معينة، وبقاء المال دُولةً بين الأغنياء منهم.

أسوأ من الفقر، العجز الذي يلازم الفقير في كل حياته حتى بعد أن يصبح غنياً، فلا يزال يصعب عليه إنفاق أموال كانت في السابق تعدل مصروفاً شهرياً لأسرته، في شراء سيارة جديدة أو بدلة فاخرة، أو تلفوناً محمولاً، فكلما فكر في شراء شيء قفزت إلى مخيلته ذكرى الفقر والحاجة، فيتردد، بخلاف أبناء الأغنياء الذين لم يعيشوا الفقر والحاجة، فلا مانع لديهم في تبديل سيارة أو تلفون محمول أو منزل لأجل الموضة أو (البرِستيج).

 

أسوأ من الفقر، انحياز الأغنياء لبعضهم والفقراء لبعضهم، وتكوين مجتمعات معزولة عن بعضها، بحيث يتهرب الأغنياء من مخالطة ومعاشرة ومصاهرة الفقراء، ويتهرب المسؤولون من مخالطة أبناء دوائرهم الانتخابية بعد فوزهم فيها، والدبلوماسيون من مخالطة أبناء جاليات بلدهم الفقراء في بلاد الغربة، حتى ولو كانوا هم سبب علوهم ورفعتهم، وحتى لو كان هؤلاء الأغنياء في الأصل من محدودي الدخل الذي انتهزوا الفرص وتسلقوا السلالم بطرقهم الخاصة.

 

أسوأ ما في الفقر، أن القضاء عليه لا ينبغي إلا أن يكون بالطرق الصحيحة، لأنه لو حصل بغيرها، لتحول إلى كارثة اجتماعية أخرى لا تقل ضررا عن الفقر ذاته، حيث يتحول هؤلاء إلى عصابات لا ترعوي عن النهب والسلب والانتقام من كل شيء، وعدم الشعور بحاجة الفقراء الذين كان هؤلاء المتسلقين أنفسهم جزءاً منهم، لتخيب آخر آمال الفقراء في وجود من يشعر بهم ويمثلهم لدى المسؤولين وصناع القرار.

 

إذاً.. ما هو أسوأ من الفقر؛ هو الفساد المجتمعي والسياسي والتعليمي والصحي والأخلاقي والنفسي الناتج عن تكدس المال والثراء في فئات معينة، وبقاء المال دُولةً بين الأغنياء منهم.

 

لذلك، لا نستغرب المقولة المنسوبة للإمام علي -كرم الله وجهه-: "لو كان الفقر رجلاً.. لقتلتُه." ولكن هل هذه دعوة إلى كراهية الأغنياء؟ أو المساواة المطلقة بين الناس؟ أو حقداً طبقيا؟ أو اعتراضاً على قضاء الله وقدره؟ سنرى.

 

*ملحوظة: الحديث هنا عن الفقر كمشكلة اجتماعية ينبغي علاجها، لا يعني أن هناك مِن الفقراء من هو أسعد وأجمل وأفضل من كثير من الأغنياء.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة