شريف محمد جابر
شريف محمد جابر
2.9 k

بين وضّاح خنفر وستيفن هوكينغ

17/4/2017

هل نحن وحدنا في هذا العالم؟

في محاضرة له بعنوان "تقارب الأزمنة وعصر السيولة" في الشهر الماضي، تحدّث الأستاذ وضّاح خنفر عن عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ وكلامه بأنّه لا يُعقل أن نكون وحدنا في هذا الكون الفسيح. وخلاصة ما ينقله الأستاذ وضاح عن هوكينغ قوله إننا نعيش على كرة أرضية حجمها متواضع جدا وفي مجموعة شمسية صغيرة جدا قياسا إلى حجم المجرّات في الكون وعددها الهائل ومئات المليارات من النجوم في مجرّتنا وحدها. فسردَ ما يقوله العلم الحديث اليوم من الأبعاد الهائلة للكون، ليصل هوكينغ بعد ذلك إلى التساؤل التالي كما ينقله عنه الأستاذ وضّاح: "ما الذي يدفعني إلى الاعتقاد بأنّ كائنًا من الشمبانزي المتقدم (يقصد الإنسان) يعيش على كوكب متواضع عند شمس صغيرة في مجرّة نائية يمكن أن يكون كل هذا الوجود قد خُلق من أجله"؟

 

عند هذه النقطة يقول الأستاذ وضّاح بالعامية: "بديت أقرأ في القرآن، بدّي أدوّر يا أخي، بقول: إلا القرآن فيه إشارات.. سبحان الله". ومع تقديرنا العميق لإيمان الأستاذ وضّاح، ولحماسته الكبيرة للدفاع عن دين الله وبيان عدم التعارض بينه وبين العلم، إلا أنني أشعر أنّ ثمّة مشكلة مع هذا التوجّه الذي يلجأ للقرآن للدفاع عنه أمام بعض النظريات العلمية، أو لإثبات وجود ما يؤيّد هذه النظريّات في القرآن، وخصوصا حين تكون تلك النظريات غير مستندة إلى شيء من العلم؛ فهل أثبت العلم وجود كائنات حيّة غيرنا حتى نعتبر كلام هوكينغ هذا كلاما علميّا؟

 

ثم يستمر الأستاذ وضّاح خنفر ليخبرنا ماذا وجد في القرآن، فيقول إنّه وقف طويلا عند قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (النحل: 12). يقول الأستاذ وضّاح معلّقا على الآية: "سبحان الله، طيب ليش لم يقلْ: وسخّر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم؟ أتدري لو قال هكذا، لقلتُ لستيفن هوكينغ: لا يمكن أن يكون في الكون إلا نحن لو أنّ الله تعالى قال: هو الذي سخر "لكم"، هنا عبارة "لكم". الليل والنهار والشمس والقمر: المنظومة الشمسية، الشمس والقمر والليل والنهار تداعي لها، صح؟ ثم وقفة، قال: {والنجومُ}، الآن بدأنا شيئا جديدا، {مسخّراتٌ بأمره}. مسخّرات لمن؟ من الممكن لكم ومن الممكن لغيركم.. ديرو بالكم! لكنّه لو ألحقها بـ "لكم"، كان حضراتنا كنّا الوحيدين الموجودين في الكون، نحن والجنّ". انتهى كلام الأستاذ وضّاح، مع تصرّف يسير في التعبير حتى يكون مفهوما لمن لا يعرف اللهجة الفلسطينية.

 

إنّ الإسلام ليست لديه أية مشكلة مع وجود كائنات أخرى في هذا الكون الفسيح الذي خلقه الله، فالله قادر على كل شيء، وهو لم يُطلعنا على كل غيبه وكل مخلوقاته

ونحن لو بدأنا من حيث انتهى الأستاذ وضّاح في استدلاله، واعتماده على لفظ "لكم" باعتباره حاسما في جعل المسخّر لنا نحن البشر فقط، ونافيا لوجود كائنات أخرى في الكون؛ لقلنا ماذا عن قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (الأعراف: 54). هل عدم وجود كلمة "لكم" في الآية يعني أن الشمس والقمر ليست مسخّرة لنا فقط؟

 

بل لو نظرنا في القرآن سنجد أن كلمة "لكم" جاءت في سياق النجوم أيضًا، مما يوضّح أنها مسخّرة لنا؛ قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (الأنعام: 97). فالآية واضحة في أنّه سبحانه جعل النجوم "لنا"، وبالجمع بين آيتي الأعراف والأنعام سنجد بأنّ وجود كلمة "لكم" أو عدم وجودها لا يعني أنّ هذا التسخير لنا وحدنا أو ليس لنا.

 

إنّ الإشكالية في هذا التوجّه هي الافتراض بأنّ هناك مشكلة في الجمع بين الإسلام وبين ما تقوله بعض النظريات العلمية وينبغي حلّها. وما أراه أنّ الإسلام ليست لديه أية مشكلة مع وجود كائنات أخرى في هذا الكون الفسيح الذي خلقه الله، فالله قادر على كل شيء، وهو لم يُطلعنا على كل غيبه وكل مخلوقاته. إنّ المشكلة في الواقع هي مشكلة "علمية" مع ستيفن هوكينغ، فهو الذي يحتاج إلى إثبات وجود مثل هذه الكائنات. إنّ قضية وجود كائنات أخرى في الكون ليست من رسالة القرآن، ولن نجد عنها شيئا مهما بحثنا في القرآن!

 

لقد أنزل الله القرآن ليكون "هداية" للبشرية، فقال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ} (البقرة: 185). وكل ما أخبرنا سبحانه به عن الكون فهو مرتبطٌ بهذه الحقيقة، ومشدودٌ إلى هذا المحور.

 

ونحن لو نظرنا إلى حجّة ستيفن هوكينغ سنجد بأنّها تعبّر عن ضحالة العقل الماديّ الإلحادي، فما المشكلة بأن يخلق الله سبحانه هذا الكون الفسيح الهائل لنا نحن فقط دون أن تكون هناك كائنات أخرى في مجرّات أخرى؟ إنّ هوكينغ يظنّ أنّ مثل هذا الكون الهائل قياسًا للحجم الضئيل للحياة البشرية والمجموعة الشمسية يدعو لتشكيك المسلم بدينه، ولكنه في الواقع يدعو لزيادة إيمان العقلاء بعد معرفتهم بعظمة الخالق سبحانه. وإذا نظرنا إلى كتاب الله سنجد إشارات عديدة عن الكون، تصبّ جميعها في بيان عظمة الله عزّ وجلّ، لتخشع العقول والقلوب أمام قدرة الله الخالق، ولتعرف قَدره سبحانه ونعمه الكثيرة التي تَفضّل بها على البشر.

 

فمن نِعَمه سبحانه تسخير النجوم للبشر كي يهتدوا في أسفارهم وعباداتهم، قال سبحانه: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} (النحل: 15-16). وقال جلّ وعلا عن السماوات: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} (فصلت: 12). وفي قوله تعالى "وحفظًا" نفيٌ للعبث من خلق هذه النجوم والكواكب التي تظهر على هيئة "مصابيح" كما جاء في التعبير القرآني، فهي كما قال المفسّرون قديمًا: "حفظًا من الشياطين الذين يسترقون السمع" (البغوي). وهو ما يُفهم أيضا في سياق قوله تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ} (الملك: 5). ونحن لا نملك علم الله سبحانه حتى ندرك طبيعة تلك الشياطين وكيفية كون النجوم "حفظًا" وكيفية كونها "رجوما للشياطين".

 

إنّ هذا كلّه من علم الله سبحانه، لا نعرف كيفيته ولكنّنا نؤمن به طالما أنّه ورد في كتاب الله. والشاهد في هذا السياق أنّها لم تُخلق عبثًا، فهذه النجوم تفيد البشر فلكيّا، وقد نشأ بناء عليها علمٌ كامل ساهم المسلمون فيه بجهود كبيرة. وهي كذلك حفظٌ، ورجومٌ للشياطين. بل إنّ في عبارة {وزيّنّا} آفاق جمالية واسعة تتّسق مع مبدأ "الجمال" الذي بثّه الله في هذا الكون الفسيح، فحتى الأنعام والمواشي التي ينتفع بها البشر في الطعام واللباس والسفر، جاء عنها في كتاب الله: {وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} (النحل: 6). والإنسان مخلوق متفتّحٌ للجمال منذ فجر التاريخ، وفي هذه الزينة المبثوثة في الكون نعمةٌ إضافية تُلقي بأفيائها على الإنسان، وتنفي العبثية عن خلق العالم، وترشد العقلاء إلى الله!

 

ولو نظرنا في كتاب الله لوجدنا آفاقًا أخرى حول الحكمة من خلق هذا الكون بهذا الحجم الهائل، فهو دليل على عظمة الخالق سبحانه. إنّ الإنسان العاقل حين ينظر إلى هذه الأبعاد الهائلة التي لا يمكنه الإحاطة بها في الكون يشعر بقدرة الله العظيم، فيهتزّ وجدانه أمام هذه العظمة الإلهية ويعبده حقّ عبادته. قال تعالى: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} (الذاريات: 47). وقال جلّ جلاله: {بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (ق: 5-7). فسياق الآيات واضح في أنّه سبحانه أشار إلى عظمة بنيان السماء والزينة التي فيها للدلالة عليه عزّ وجلّ، كما أشار إلى عظمة خلق الأرض والنعم التي فيها للدلالة عليه سبحانه. إنّه سبحانه لم يبنِ السماء فحسب، بل "زيّنها" أيضًا، وإنّه جلّ جلاله لم يُنبت في الأرض النبات فحسب، بل أنبت فيها من كل زوج "بهيج". إنّ "الزينة" و"البهجة" عناصر جمالية إضافية جعلها الله للدلالة عليه سبحانه وعلى عظمته، وكذلك كان اتّساع هذا الكون دليلا إضافيّا على عظمته سبحانه!

 

إنّ الله القاهر فوق عباده يُنبئهم بعظمته وضخامة هذا الكون الذي خلقه. ولا تزال محاولات العلماء تصل إلى حقائق مدهشة حول سعة هذا الكون، ممّا يجعل العقل يقف مذهولا خاشعًا

وفي الوقت الذي يقلّل فيه ستيفن هوكينغ من قيمة الإنسان، يرفع الله سبحانه من قيمته بما يهتزّ له الوجدان وتحار له العقول، يقول سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (هود: 7). حين استمعتُ إلى هذه الآية شعرتُ برهبة تجتاح كياني وبآفاق هائلة تتفتّح في ذهني حول حقيقة الإنسان. لقد خلق الله سبحانه السماوات والأرض بعد أن لم تكن موجودة ليختبرنا! هذا الإنسان إذن محور ذلك الخلق الهائل.. الإنسان الذي كرّمه الله وميّزه عن بقية الخلق بنعمة الحرية والإرادة والوعي، إذ لا يُختبر إلا حرٌّ مريدٌ واعٍ!

 

إنّ هذا العالم كلّه مرتبط بأعظم ما تميّز به الإنسان، بنفخة الروح التي جعلت منه إنسانًا، وإنّ هذه الأبعاد الهائلة للكون مشدودةٌ كلّها إلى لحظة استخلاف الله للإنسان الذي يستخفّ به هوكينغ. وشتّان بين الأفق الماديّ الضيّق الذي يتقوقع به تفكير هوكينغ، والذي لا يرى في الإنسان إلا كيانه المادي الطيني فيستنكر أن يكون الكون قد خُلق من أجله، وبين الأفق الرحب لحقيقة الإنسان والنفحة العلوية التي جعلت منه إنسانا ورفعتْه عاليًا فوق المخلوقات جميعًا، فبات لا يُستغرب أن يكون مَن سجدتْ له الملائكة أجمعين هو محور الكون كلّه! إنّ الإنسان ليس ذرّة الطين التي يستخفّ بها هوكينغ، كما أنّ الكون الفسيح ليس ضخامة عبثية كما يتصوّر خيالُه!

 

وتتجلّى العظمة الإلهية في أبهى صورة في قوله تعالى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} (الرحمن: 33-34). إنّ الله القاهر فوق عباده يُنبئهم بعظمته وضخامة هذا الكون الذي خلقه. ولا تزال محاولات العلماء تصل إلى حقائق مدهشة حول سعة هذا الكون، ممّا يجعل العقل يقف مذهولا خاشعًا أمام هذه الآية، مُقرّا بعظمة الخالق سبحانه، ومدركًا بأنّ هذه السعة الهائلة للكون ليست عبثًا، تعالى الله سبحانه عن العبث.

 

ونحن إذ نقدّر للأستاذ وضّاح حميّته الدينية وتأملاته في كتاب الله، والتي تدلّ على حسّ راق وحضور ذهني وقلبي أثناء تلاوة الكتاب، فإنّنا نختلف معه في كيفية الردّ على هذه المقولات المادية. فالمنطلق الأساسي الذي أغفله هوكينغ هو حقيقة الإنسان ومكانته في الإيمان الإسلامي، فضلا عن عدم تأسّس مقولته على أساس علمي متين، بل إنّ هوكينغ هو الذي يحتاج أن يرسل بعثة علمية تسافر بين النجوم والمجرّات لتثبت وجود تلك الكائنات الحيّة، ولن نكون حينها إلا مسلّمين لما يَثبُت من حقائق علمية!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة