مي ملكاوي
مي ملكاوي
812

ربيع المجانين

26/4/2017

قبل أن تُصيّف تماماً على عقولنا ونغلق عليها الباب، قلتُ أُلملمُ بعضاً من الأفكار وأضعها في دُرجٍ لعلها تَصبرُ لوقت خروجها إلى النور أولاً بأول، لكن الأفكار أبت أن تكتفي بالدرج... وأنا أهم بفتحه بروية وهدوء اندفعت على غفلة مني خارجة إلى الهواء الطلق معلنة التمرد، لم يعد في الدرج أية فكرة فعدت خاوية العقل ووضعت يدي على خدي تحسراً.

 

وبدلاً من تعزيل الدرج وترتيبه، بدأت بتعزيل البيت مبكراً هذا العام، غيرتُ أماكن الأشياء وقلبت ترتيب الأثاث في الغرف وأزلت بعض الأشياء التي ظلت مركونة طوال الشتاء دون أن يمسّها أحد، كانت الأفكار متحمّسة في دماغي مع كل تغيير أقوم به، تحمست معها وقلت هذه فرصتي، الدّرج سيمتلأ بالأفكار من جديد، أمسكت ورقة وقلم وكتبت كلمتان مفتاحيتان للفكرة الأولى... ثم كلمتان مفتاحيتان للفكرة التي بعدها...  ثم أكملت الترتيب والتنظيف والتعزيل، وألقيت بكل الأوراق التي لا داعي لها، أوراق مطبوعة ومبعثرة، أوراق مقطوعه من دفاتر ومكتوب على رأس كل صفحة بضع جمل بعضها معروف السبب والبعض الآخر غير مفهوم كأنها طلاسم... فتمتمتُ بـ "لا حول ولا قوة إلا بالله" كلما فشلت في تذكر سبب كتابتي لهذه الجملة أو تلك، وتابعتُ رميها في كيس إعادة التدوير.

 

إعادة التدور عادة ربيعية، تعزيل البيوت وتعزيل العقول... و"التعزيل" ليس معناه الرحيل على قولة إخوتنا المصريين، بل معناه "إعادة الترتيب" بلهجة بلاد الشام المتباعدة المسافات... ما بين دولة شاميّة بات التعزيل فيها مستحيلاً لأنها صارت خراباً... وما بين دولة شامية أخرى صار مساس الأوراق والأدراج القديمة فيها مَهمّة تُدخلك "نار الحكومة"... فبلاء الحرب في سوريا الشام الأصيلة لا مصير بعده لتعزيل الحياة فيها قريباً، وبلاء الحكومات والفساد السياسي والاقتصادي في بقية الدول الشاميّة، وبقية الدول المش شامية الأخرى تُكبلُ يديك للخلف كي لا تحاول التعزيل من الأصل...

 

الربيع هنا في أمريكا بدأ الآن، وما يزال قلبي بغباء يهف ناحية ربيع بلادي الذي يتنازع مع الشمس، قال أبي إن "الحر بدأ والعشب ذبل وصار أصفراً"... قلت له: "هنا ما زلنا نلبس لبس الشتاء القارص لكن الأشجار أينعت بأوراق بشتى ألوان الحياة التي نتمناها

ضربتُ بأصابع يدي على جبهتي: "استيقظي... لقد قطعتِ عهداً على نفسك بترك السياسة لأهلها ليفتوا فيها كيفما يشاؤون، ولك أنتِ قضايا الحياة الأخرى برمتها... عودي لتعزيل منزلك فهو أولى بالمعروف".

 

سألتني صديقتي "هل تذكرين اسم ذلك المكان الذي زرناه قبل فترة، كان مليئاً بالأفكار... كان مبدعاً وخلاقاً، ليتنا نعود لزيارته"... رحتُ أحاول عصر دماغي، ثم أحاول عصر ذاكرة خارطة هاتفي أو مخزن الصور أو أي شيء آخر قد يقودني إلى اسم المكان... فشلتُ في التذكر وقلت لها: "أنا أمٌّ فهل نسيتي؟ لقد تضاءلت ذاكرتي مع الحمل والولادة إلى أقل من النصف، حاولي الاعتماد على سواي".

 

أي أفكار قد تجتمع في دماغي المتعبة من كثرة التفاصيل اليومية؟ وهل يُصلح انبعاث الربيع ما جناه الشتاء القارص من سبات عميق على ذاكرتي وقدراتي التفكيرية؟ راجعوني بعد عشر سنوات.

 

رحت أجمع الأفكار في الذاكرة الخلفية، ابتعدت قليلاً عن الجزء العاطفي من الدماغ... وتذكرت أنني أستعملته زيادة عن اللزوم في السنوات القليلة الماضية تطبيقاً لنظرية "الأطفال بحاجة للعاطفة والحنان بشكل مستمر"، ولكنني عاطفية بالفطرة... عاطفية بالأمومة... وبانتظار إكمال عاطفتي بمواليد آخرين يكملون على ما تبقى من مساحة التفكير والذاكرة إلى حين يكبرون ويعتمدون على أنفسهم.

 

الربيع هنا في أمريكا بدأ الآن، وما يزال قلبي بغباء يهف ناحية ربيع بلادي الذي يتنازع مع الشمس، قال أبي إن "الحر بدأ والعشب ذبل وصار أصفراً"... قلت له: "هنا ما زلنا نلبس لبس الشتاء القارص لكن الأشجار أينعت بأوراق بشتى ألوان الحياة التي نتمناها... الحياة الجميلة الوادعة، بسلام لا تستطيع أن تمنع قلبك من الرفرفة معه... لكنك توقفُ دقات قلبك حين تتذكر الربيع الميّت في بلاد العُرب أوطاني، فتُصيبك حالة من النكد الذي لا مفر منه" اكتشفت أنني كنت أتحدث مع نفسي لأن الخط كان قد انفصل مع أبي بسبب تذبذب الإنترنت في البلاد.

 

عدتُ للتعزيل على أمل أن يعود الربيع الحقيقي، كتبتُ فكرتين مختلفتين، وأزحت الكَنَب وقلبتُ شكل الصالة كي أعتقد أنني اشتريت كنباً جديداً أو أنني أعدتُ الحياة إلى عروقي العربية مثلاً. خبأت الأفكار الجديدة في الدّرج، وخرجتُ مُسرعة... فقد كتبتُ قائمة أشياء جديدة عليّ شراؤها هذا الربيع...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة