نورس أبو صالح
نورس أبو صالح
2.4 k

موضة نقد الموضة

3/4/2017

في مساحات الفراغ الميسّر، والبذخ المكتبي، وفائض الراتب، وشاشات اللمس، ومصطلحات الثقافة المنمقة، يستل الآخر رأيه من كنانة الانتقاد، ويشحذها بمِسَنّ الغيرة ويغمس نصلها في سم الشخصنة، ويرسلها عبر فضاء مفتوح، فإما أن تصيب باسم رب الغلام المعني، أو تخطيء باسمه، فتغدو موضات انتقاد، لما يظنونها موضة ينتقدونها، ونقع في موضة انتقاد الموضة. لمّا تصببت حبات العرق على جبين توقد عن فكرة، وسواعد بذلت لأجلها، وعيون ذبلت تحديقا لتجويدها، لم تأخد في الحسبان الجمع القادم من ماضغي المجهود، ولا السيل المُزْبَدّ من الكلام المُطْلَق على العواهن، وإلا لمَا كان للفكرة أمل الولادة، ولمَا احتواها الرحم المثخن جروحاً، ولمَا حشد العامل عليها فريقاً، ولمَا كابد جهاد التمويل في قضايا لا يطرب لها الممولين.

 

ثم أنه يعلم بعد ذلك كله، أن الصورة ما أن توضع أمام الجمع، حتى تصبح ملكهم، وتصبح لسان السينمائي ودفاعه الأوحد، وهو يتلقى بها النقد الحقيقي المبني على نقاط محددة، ومشاهدة حقيقية، ببصر وبصيرة، لا مبنية على حكم مسبق، يقود للشخصنة الخارجة عن احترافية النقد، أو عدم مشاهدة أصلاً، فتقع في فخ إن كنت تدري فهي مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم. في الميدان، العمل هو صاحب الكلمة، والخطوات البطيئة المتعثرة خَيْرٌ من القفزات الطويلة الفقاعية، وإن لم تكن لك خطوة أولى، فمتى تكون؟ وإن لم تغامر بمالٍ وجهدٍ وسمعةٍ ونقدٍ فلن تصل، وستنضم الى جوقة المتحدثين.

 

 على من يطمح أن يكون سينمائيا، ألا يقف عند حسابات الربح والخسارة، والترف والبرستيج، وإنما أن يضرب بعصا نصه الكاميرا، لتنفجر الرؤية، وسيعلم كل فريق مشربهم. إن الخوف من الإقدام موت، والتواري عن الألسنة عجز، وتوسيع دائرة الحسابات لا تنتج أفلاماً، واعلم أن فيلمك سيلقى المدح والذم، ولا خير في فيلم عليه إجماع. لكن تخير من النقاد من يفعلها باحتراف، لا يحركهم فيها غيرة أو شخصنة أو أن يكونوا مراسيل لآخرين، فَلَو كان هناك خير في الآخرين لما تواروا بالمراسيل.

 

لما اشتغل العاملون بالعمل، وتنافسوا بالصورة والفيلم، رأينا نتيجة وإشراقاً ونقداً، فينقد أحدهم الفيلم بعد تراكمات في الفكر والتحليل والثقافة السينمائية، لا تراكماً في ثنايا الجسد المثقل خلف مكاتب التوظيف

إن الناقد الحقيقي لمادتك الفيلمية لن يضيره أن يشير لمشاهدك واسمك وأخطائك، وإلا فدع حوار الكواليس لأهلها، فأنت صاحب الكواليس الأوحد، والتي تُخرج فيلماً لا زبداً غير ماكث. واسأل أحدهم، هل كنت في الجمع لما انتصروا لفكرتهم لكي تصبح فيلماً؟ أم أنك كنت ثاوياً في أهل عجزك الغامر؟ هل كنت بجانب طور المكابدة لما استحقت الفكرة وحي أفكارك، وتكليما مقدسا لذاتك، أم أنك آثرت أن تتم عشراً خاويةً دون جهدٍ في إيصال الرسالة وتعيب على رسل الصورة ما لم تفعل؟ 

 

إن تكاثر نماذج الادعاء، حفزت الكثير في عوالمنا، الحقيقة او الرقمية، على انتقاد هذه النماذج والحديث عن هذه الظواهر، وهذ يشير إلى تغير حقيقي في العقلية المتقبلة لأي شيء منمق، فلم يعد التنميق كافياً لتفرض وجودك كنموذج وحالة، بل صار الالتفات إلى حقيقة ما تقدم هو الفيصل في تصنيفك، إِلَّا أن بعض نقاد هذه النماذج قد وقعوا في فخ تعميم الظاهرة على الجميع، والتصنيف الجزافي للجيل كله، وهذا يشير إلى ثغرات واضحة في مرجعيتهم النقدية، والتي لا يغلب عليها الاحترافية والممارسة الحقيقة بقدر ما هي حديث مكبوت لأسباب كثيرة، وجد النقد قالباً له كي يخرج.

 

هناك في عوالم أخرى، لما اشتغل العاملون بالعمل، وتنافسوا بالصورة والفيلم، رأينا نتيجة وإشراقاً ونقداً، فينقد أحدهم الفيلم بعد تراكمات في الفكر والتحليل والثقافة السينمائية، لا تراكماً في ثنايا الجسد المثقل خلف مكاتب التوظيف. لا تراكماً في عقلٍ عجز عن النظر أبعد من نافذة غرفته وربما شاشة جهازه، هناك حيث النقد الحقيقي يرافق الفيلم الحقيقي والمشاهدة الحقيقية، لا نقداً أصبح موضة في نقد الموضة. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة