تيسير أبو عودة
تيسير أبو عودة
861

التعليم في الوطن العربي والحصار الثقافي

5/4/2017

 تمهيد:

التعليم هو الرئة التي ينبض من خلالها المجتمع، والبوصلة التي تحرك المجتمعات الحضارية لبناء الإنسان ومنحه القدرة على صناعة التاريخ، والتشابك مع الواقع والعالم، ولكن هذه الصورة المثالية لصيرورة التعليم تتطلب رؤية مؤسساتية وحكومية وجمعية تبني الوعي الناقد وتؤصل روح الحرية والكرامة والعدل، وتقاوم التعمية والتضليل الأيديولوجي الذي يجعل التعليم سيفا بتارا يوضع على رقاب الضحايا المصابين بالعمى.

 

التعليم كتجربة إنسانية وجمالية ووجودية إما أن يكون طريقا صوب الحرية والولادة الخلاقة، أو أن يكون سجنا قسريا تحبس فيه كرامة الفرد المتعلم، وتقهر فيه إرادته، وتموت من خلاله غريزة الدهشة وقلق السؤال على عتبات الحشو المعرفي والاجترار الهوياتي.

مِن خلال هذه المنظومة الهشة من التعليم والتلقين، أصبحت المعرفة مادة بنكية محضة، ووظيفتها تقييم قدرة المتعلم على حفظ المقولات الثابتة والوطنية الزائفة والهويات العنيفة.


ما أزلت أذكر صورة الأستاذ الذي صفعني ذات خيبة على وجهي، لأنني خالفته الرأي في تفسير سورة قرآنية، وما زالت صورة الأستاذ الذي أهداني كتاب أبي حيان التوحيدي "الإمتاع والمؤانسة" لا تفارقني في حِلِّي وترحالي. صورة المعلمة التي ابتسمت في وجهي عندما انفجرت غضبا لا تفارقني. كانت تشبه كثيرا ابتسامة أمي. المدرسة شكلت في داخلي صورة ثابتة ومتحولة في آن واحد: الحياة التي كنت أقترفها في المدرسة كانت تجربة معجونة بالأمل والخيبة والفرح والحزن النبيل. لكنها كانت حياة قسرية، فلا أذكر أن أستاذا واحدا كان متحررا من صورة الأب المتفوق على أبنائه في كل تفاصيل الحياة، أو المتفوق عليهم في قداسته المتخيلة، والتي جعلت المسافة بيني وبين الأساتذة آنذاك شاسعة وضيقة الأفق. معظم مدارسنا وجامعاتنا لا تُدرِّس الموسيقى، ولا تُدرِّس مهارات التفكير الناقد والحر بل إنها تحتقر الرقص والموسيقى والفلسفة باعتبارها علوم فاسدة. ومن خلال هذه المنظومة الهشة من التعليم والتلقين، أصبحت المعرفة مادة بنكية محضة، ووظيفتها تقييم قدرة المتعلم على حفظ المقولات الثابتة والوطنية الزائفة والهويات العنيفة.

 

أيديولوجية التعليم وسلطة المعرفة:

كيف لنا أن نتحدث عن صيرورة التعليم والمعرفة الإنسانية في بلادنا العربية دون النظر لمادة التعليم الخام، ولجوهر التعليم والمعرفة، وخطاب الحرية والسلطة، وأيديولوجية وسيكولوجية الجماهير والمؤسسات البيروقراطية التي تجعل من فكرة التعليم كما يسميها المفكر الكوني "باولو فريري" "نموذجا قهريا" تنتج من خلاله منظومة ممنهجة من القهر المكرر، والبهائمية الفكرية، والتبعية الأيديولوجية والخواء الروحي". المعرفة بنت الحرية والسؤال وهي في أصلها الأبيستومولوجي نزعة إنسانية حُرَّة ومُحرِّك فاعل للتحرر والنضال المستمر في مواجهة تشييء الإنسان وتسليعه وقهره وتذويب فردانيته في وهم الجماعات المتخيلة كما يسميها "أندرسون."

من الغباء والسذاجة تغريب المدارس والجامعات وفصلها عن الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي الذي تتشابك معه الجماعات والأفراد، لأن هذا التغريب والفصل يجعل المؤسسات التعليمية والمعرفية أداة أيديولوجية في يد السلطة لتدجين المتعلم وقهره وتسليعه في السوق الحرة ضمن نسق بيروقراطي يتعامل مع الإنسان والحقل المعرفي كسلعة يتطلب ترويجها بكل الوسائل الرأسمالية المتاحة، ليصبح الإنسان العربي مغتربا في تفاصيله الفردية والجمعية في عقر داره، ومغتربا عن حقيقته الجوهرية كإنسان يصنع التاريخ لمجرد سن في دولاب تتحكم به مصانع التعليم والمعرفة، وتعيد إنتاجه كمواطن مجهول كما يسميه الشاعر الأمريكي "أودين."


النقد الذاتي ليس مطرقة حديدية يراد بها كسر جمجمة الواقع، بقدر ما هو وسيلة للبناء ومراجعة الذات والواقع، ولهذا ارتأيت أن أتحدث عن صيرورة التعليم والتعلم في بلادنا بوصفها نظاما ثقافيا واجتماعيا وأيديولوجيا يعيد إنتاج تمثيلات الإنسان بكل تجلياتها الهشة والمسلوبة من حريتها، والمنهوبة فكريا وحضاريا واقتصاديا، والمغتربة عن واقعها الوجودي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي. تشير معظم الكلاسيكيات وأدبيات الفكر الإنساني عبر التاريخ أن التعليم ومنهجياته المتعددة ومشاربه الأيديولوجية والدينية والمعرفية تشكل الوعي الإنساني، وتعيد بناءه، بل وتحركه وتذكي من خلاله ضرورة التغيير على المستوى الفردي والجمعي. ومن الأمثلة المشهورة على تدجين الأجيال وشرعنة الاستعمار رواية "دانييل ديفو" "روبنسون كروزو"، ورواية "جزيرة الكنز" لـ"ستيفنزون"، ورواية "كيم" للروائي الانجليزي المشهور "روديارد كيبلنج."

 

ما زالت الدول العربية في مؤخرة القافلة فيما يخص صيرورة البحث العلمي والترجمة، والابتكار العلمي، والإنتاج المعرفي، ولهذا تصبح مسألة إصلاح التعليم ضرورة وجودية وملحة أكثر مما نتخيل.

ولو راجعنا التقارير التي تصدرها مؤسسات التعليم العالمية، فقد نشرت صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" تقريرا عام 2001 تقول فيه:" أن حجم المواد التي يدرسها طلاب التعليم في مصر هو أضعاف ما يدرسه الطالب الأمريكي". ربما المطلع على واقع التعليم في مصر مثلا يدرك تماما أن مشكلة التعليم لا تكمن في ميزانية ما تنفقه الدولة على التعليم -وإن كان التعليم في مصر يعاني كثيرا إبان حُكم السيسي- ولكن تكمن المشكلة في منهجيات التعليم والرؤية العامة التي تُشَكِّلُ هذا الواقع. وتشير تقارير حديثة لعام 2014 أن نسبة الأمية في الوطن العربي تجاوزت ما نسبته 60 مليون أمي، مما يجعل الأمر صادما وصاعقا في الوقت الذي اُكتشف فيه قبل عشرين عاما أن الذرة لها مكون أصغر من النواة يسمى "الكورك". وتشير التقارير ذاتها إلى أن أكثر من 13 مليون طفل لا يلتحقون بالمدارس في كثير من مناطق النزاع والحروب مثل سوريا واليمن وليبيا.


التعليم البنكي
:

يرى المفكر "باولو فريري" في كتابه المشهور "تعليم المقهورين" أن التعليم التلقيني يتميز بلهجة متعالية جدا في تأصيله لبيروقراطية المجتمع ورداءة الأداء التدريسي، فهو يرى أن الطالب يحاصر بنظام معرفي قمعي ومتخلف كما كان في البرازيل في القرن الماضي، إذ ينحصر دور المعلم في دور الإيداع المعرفي والذي يختزله في الحفظ والتذكر واجترار المنهاج المدرسي والجامعي في صورته المسخ دون مراعاة الفروق الفردية، أو محاولة صقل الروح الإبداعية والعقل الناقد في مجابهة العقل اليقيني والثابت. ما زال الطلبة لدينا مجبرين على حفظ النشيد الوطني المفرغ من روح الإنسان والحرية والكرامة والحياة. التعليم أصبح شكلا من أشكال القمع الفكري والإنساني، بل وأداة فعالة في تحويل الشعوب لقطيع من العبيد السعداء، كما يسميهم "مالكوم أكس". ولعل الواقع التعليمي المعاصر في بلادنا لا يختلف كثيرا عن هذه الصورة السوداوية التي يتحدث عنها "فريري."

 

كيف ننجو؟

ربما تخلو بلادنا العربية من رؤية مؤسساتية وحكومية جمعية تعنى بتشخيص ومعرفة حاجات المجتمع التعليمية والفلسفية والجمالية والفنية والتقنية الجوهرية، والتي تشكل المحرك الحقيقي والفاعل للنمو الحضاري والاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات البشرية. يعتبر "جان جاك روسّو" الأب الروحي لما يسمى بحركة "أدب الأطفال" بنموذجها الغربي، والتي يعتبرها "روسّو" الحضانة الأكثر أهمية في تنشئة الأطفال وصقل مهاراتهم النقدية والتخيلية؛ وحتى الفلسفية كي ينجو من مطرقة الرأسمالية والمادية المغرقة في تسليع القيم والأخلاق والإبداع. وكما يقول "روسّو" فإن "الطبيعة تطهر الأفراد، والمجتمع يفسدهم".

ولا يمكن للتعليم أن يتطور دون تحقق روح المواطنة وفكرة المدنية التي تحدث عنها "باروخ سبيوزا"، والتي تجعل الجميع متساوين أمام العقد القانوني والاجتماعي للدولة. ربما آن الأوان أن نعيد النظر في اختبار التوجيهي والمناهج التعليمية كوسيلة تقييم كمي واجترار معرفي ممل وبعيد عن الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، ولهذا تبدو فكرة خصخصة التعليم ومؤسساته فكرة مرعبة لأنها تطبق بصورة رأسمالية بحتة تجهز على قيم المعرفة وأخلاقياتها الجوهرية: العدل والمساواة والرفاه الاجتماعي. ما زالت الدول العربية في مؤخرة القافلة فيما يخص صيرورة البحث العلمي والترجمة، والابتكار العلمي، والإنتاج المعرفي، ولهذا تصبح مسألة إصلاح التعليم ضرورة وجودية وملحة أكثر مما نتخيل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة