وجدان عصام
وجدان عصام
296

بين ثنايا الخيال

1/5/2017

منذ الصغر وأنا أشاهد الكرتون الذي ما هو إلا خيالات كُتّابٍ قد برعوا في الكتابة، وكانت تأسرني الألوان والمشاهد، من "الحديقة السرية" إلى "أنا وأخي" وقضايا المحقق كونان وأهداف الكابتن ماجد في أن يصبح لاعب كرةٍ عالمي، إلى أن أصبح لي عالمي الخاص، كوكبي الذي أنشأته من خيالاتي حيث أجمع فيه كل من أحب من مسلسلات الكرتون، وكنت لا أنفك أحكي لصديقاتي في المدرسة عنه، حيث يؤخذن بجميل حكاياتي عن كوكبي الخيالي الذي أنا ملكةُ عليه، وكيف لا أكون وأنا من أنشأتُه من بنات أفكاري، حتى عندما كانت تُطْلَقُ بعض الشائعات في قنوات الأخبار وفي الجرائد عن كوكب جديد تم اكتشافه، كُنت أظنُ أنه كوكبي وأن البشر بعد اكتشافهم له سوف يحيلون السلام الذي به إلى دمار كما في معارك هزيم الرعد .

وكبرت واستحالت أحلامي وخيالاتي إلى ما يشبه الأوهام، فما قضيت سنين أبنيه وأعيش عقلي عليه لم يعد موجوداً، فالعقل الذي كان يقضي النهار بطوله يتحدث مع كونان لحل قضاياه أو يلعب مع الكابتن ماجد في فريق الكرة لم تعد تروي ظمأهُ هذه القصص البترآء بعد اليوم فقد نضج بما فيه الكفاية ليصدق هذه الأوهام، ولكنه حتماً لم يشبع من الخيال الذي هو سلواه منذ الصغر، فأخذ الخيال منحنيات أخرى من الدراما المبتذلة على قنوات المسلسلات إلى قنوات الأفلام، وكلما نما لم تعد الدراما الخيالية كافيه حيث يزداد ضراوةً يوماً بعد يوماً وما عادة القصص القديمة تعنيه في شيء، فابتكر قصصه الخاصة مع الشخصيات التي يريد، قصص لا تسمن ولا تغني من جوع .

وعندما كانت المرحلة الثانوية في آخرها وجد عقلي سلواه في شيء آخر، الأدب والنثر فلطالما كنت أعشق التعبير وأحرز فيه علامات كاملة وأحب الإلقاء بصوتٍ عال حيث وكأنني أخطب في حضور ضخم، ومن هنا أخذ الخيال منحى آخر حيث قصص قيس وليلى وعبلة وعنتر وكان أحبُ شيء إليّ هو الأدب الجاهلي حيثُ وكأنه كُتِبَ خصيصاً لي، وشجاعة العرب وكرمهم وإخلاصهم ونبلهم كانت من أجمل الأشياء التي أخذت في نفسي مكاناً وبدأتُ أحذو منحناً آخر .

فمن قصيدةٍ إلى أخرى ومن قطعةٍ نثريةٍ إلى خطبه كانت اللغة العربية هي هوى نفسي وسلوى عقلي الذي حادت به عن الجموح في الخيال الذي لا طائل ولا عائد منه، ومن هنا بدأت مرحلةُ جديده من حياتي حيث بدأت في قراءة كتب التنمية البشرية لإبراهيم الفقي ومنها إلى كتب الدين لدرجةِ أن والدتي كانت تلقبني بمتولي الشعراوي عندما أبدأ في الفَتْيّ في أشياءٍ لا صلة لي بها فقط غير أنني قرأت عنها في أحد الكتب، وهكذا بنيت شخصيتي من طفلة إلى حالمة إلى ورعة وزاهدة.
 

كانت الانطلاقة لروحي السجينة بين الماضي المترامي الأطراف والحاضر الذي لا يشبع رغبتها والمستقبل الذي لا يجيء، وبدأتُ أكتب وأقرأ، لدرجةِ أني أحسست أنّ حياتي أخذت منحنى آخر غير الذي كانت عليه

وعند المرحلة الجامعية حيث يتغير كل شيء ويعود الخيال صديقي حيث لم أكن أجيد تكوين صداقات سريعة، وبعدت عن قراءة الكتب ولم يعد يربطني بالدين سوى الصلوات الخمس وبعض الأيات التي كنت أقرأُها من حين لآخر. إلى أن وقعت في يدي روايةُ "سجين المرايا" لمسعود السنعوسي وبحكم عيش جُل وقتي في الخيال فكنت أرى نفسي كمن يرى انعكاس صورته في المرآة ولا يستطيع لمسها ولا الاستغناء عن النظر فيها، ومن هنا اجتذبني العنوان وقررت أن أقرأ الرواية عَلِّي أجد مخرجاً من سجن الخيال الذي حَبَسْتُ فيه نفسي خاصةً وأن مستواي الدراسي بدأ في التدهور وعلاماتي باتت سيئة، وبالرغم من أن الرواية لم يكن لها علاقةُ بالخيال كما ظننت إلا أنها عرّفتي على عالمٍ آخر، اجتذب روحي وكياني كما فعل الأدب من قبل ورحت أقرأ بعدها رواية ساق البامبو ومن رواية إلى أخرى ثم إلى كتب الخواطر التي حذت في نفسي حذو الأدب ومن هنا نشط الخيال في عقلي من جديد ولكن هذه المرة على صورةٍ ألِفْتُها وأحببتُها، فأن أتخيل شخصيات الكِتَاب والوقائع والأحداث والأماكن وكأنّهُ سفرُ عبر الزمن كان يأسِرُ كل حواسي .

ومن هنا كانت الانطلاقة لروحي السجينة بين الماضي المترامي الأطراف والحاضر الذي لا يشبع رغبتها والمستقبل الذي لا يجيء، وبدأتُ أكتب وأقرأ، لدرجةِ أني أحسست أنّ حياتي أخذت منحنى آخر غير الذي كانت عليه فما وجدته في الكتب لم يكن قط كالخيال أو الأحلام بل كان أكبر من ذلك بكثير، عالم مختلف يمسك بتلابيبك ليجبرك على الغوص فيه والاستقاء منه، حيث لا تجد ذاتك فقط بل ذواتً أخرى تعلمك وتسقيك خبرتها في الحياةِ بلا ثمن .

لا أعلم لو لم أحب الأدب يوماً أو لو لم تقع تلك الروايةُ في يدي لو لم أتخيل قط، أين كنت سأكون وماذا كنت سأفعل وكيف سأُفكر، الشيء الوحيد الذي أعجز عن تخيله أو التفكير فيه هو حياتي بدون "الخيال"، فالخيال نعمة ولكن حتى هذه النعمة قد تكون نقمة لو لم تكُن في مسارها الصحيح .

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة