الحب المغيب

15/5/2017

في الحقيقة أحس بشعور غريب وأنا أكتب حول هذا الموضوع، ذلك الشعور وكأنه ينكر علي هذا العنوان، وكأنه يقول كيف تكتب عن موضوع الحب؟ ولِم تكتب عن هذا الموضوع، والإنسانية تتخبط في القتل وفي التطاحن، ويستعبدها النمرود الحداثي الذي تغلف بالتجارة في الانسان، وثقافة التخلي عن القيم الإنسانية. لكن أغالب هذا الشعور الوارد الغريب، كي أحدثكم عن قناعتي، عن إيماني أن الإنسان خلقه الله من أجل الحب، واستخلفه بالحب، وطالبه بالحب قال تعالى :" يا أيها الذين آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ".

فالحب هو من بين المقاصد التي جاء الشرع لحفظها، والحث على الأخذ به ونشره بين الناس. واستبدال قيم الشر والكره والبغض والحسد بقيم الحب والخير، وقد ذكر الحب في شرعنا الحنيف في مواطن مختلفة باختلاف الحالات. فجاء حب الله كأصل للإيمان ومحفزا على تمثل أمره تعالى، فالحب هنا في علاقة العبد بربه، وقد جعل ابن تيمية "حب الله هو روح الدين"، وهي محبة واجبة على العبد كما بين ذلك في كتابه "قاعدة في المحبة" وقد جاء ذلك مبينا في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجاء الحب كثمرة للإيمان في علاقة المؤمنين فيما بينهم، وما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من إخبار المحبوب بذلك، لتقوية الروابط الإيمانية.

أقوى سلاح يمكن أن يستعمله المؤمنين أتباع هابيل هو سلاح الحب الذي يتمكن من القلوب السليمة، النقية التي حجب الشيطان عنها الحق بسبب من الأسباب.

وأمرنا بمعاملة كافة الخلق بالحب، تقربا بذلك إلى الله تعالى وامتثالا لأمر الاستخلاف الذي يوجب علينا معاملة المخالفين باللين والرحمة ما داموا مسالمين، وذلك بمقاتلهم بالمحبة. وبيان حكم المحبة في مجال الخلق قد بينه علماءنا. ولكن قصدنا في هذا المقال بيان الحب المغيب في بني الإنسان، وأصل التآلف والتكافل والتعاون، وبيان سبب التقاتل والتباغض والحسد ونتائج ذلك على الإنسانية.

الحب:
عند ذكر كلمة حب في مجتمعاتنا يصاب كثير من الناس بالخجل، بسبب الاستعمال السيء لهذا المفهوم المقدس، حيث أفرغوه من محتواه القيمي، واستعملوه في ممارسة الرذيلة، ليشرعوا به الرذيلة وخروج الإنسان عن قيمه وأصوله.

فالحب محله القلب، وخالق القلب صاغه ليكون محبا له، وطالبا له في كل أحواله، وكل حب استوطن القلب قبل حب الله فهو حب باطل، يشقى به صاحبه. كون قلبه المفطور على حب خالقه لم يجد بغيته، وبهذا يمكن تفسير الأزمات التي يعيشها كثير من الناس ومنهم العلماء الذين طالبهم القلب بالحب الإلهي كالغزالي ومن على شاكلته بعد ما استحكموا من قوة العلم. قال ابن القيم رحمه في كتابه إغاثة اللهفان"في القلب قوتان: قوة العلم والتمييز، وقوة الإرادة والحب. كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه، ويعود عليه بصلاحه وسعادته. فكماله باستعمال قوة العلم في إدراك الحق، ومعرفته، والتمييز بينه وبين الباطل، وباستعمال قوة الإرادة والمحبة فى طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. فمن لم يعرف الحق فهو ضال، ومن عرفه وآثر غيره عليه فهو مغضوب عليه. ومن عرفه واتبعه فهو مُنْعَمٌ عليه." فهذا النص يغنينا عن التعريفات الفلسفية لكلمة الحب التي لا معنى لها عند استحضار الغاية الوجودية، وما يوجه هذه الغاية من الوحي الإلهي.

حب هابيل.. وغيابه عند قابيل:
لما قدم ابني آدم عليه السلام قابيل وهابيل قربانا لله تعالى، قدم هابيل أفضل ما لديه تقربا إلى الله تعالى ومحبة له، والإنسان لا يقدم أفضل ما لديه إلا لمن يحب، وبهذا يتبين أن هابيل كان أعرف من أخيه بربه محبا له وقد قرب قربانا من أجود وأثمن ما يملك. في حين نجد قابيل قدم قربانا من أسوء ما لديه من الزرع، وهذا السلوك يبين أن صاحبه لم يكن عارفا ومخلصا في عمله لربه. ولذا جعل الله علامة قبول القربان عبارة عن نار تأكل القربان. وكان نصيب القبول من هابيل، فحسده أخاه قابيل في هذا وتوعده بالقتل، فكان هابيل كالشيخ لأخيه، حيث نصحه أن الله تعالى لا يقبل العمل إلا من الأتقياء.

ولكن الشيطان تمكن من قلب قابيل وذكى حسده على أخيه ونمى لديه حاسة الكره والبغض لأخيه حتى قتله، في حين كان رد التقي هابيل " لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ". فهذه القصة تلخص لنا ما يحدث في العالم اليوم وفي واقعنا المعاصر، بحيث نرى بطش أتباع قابيل بأتباع هابيل يزداد يوما بعد يوم لنفس الأسباب، وكيف يتفننون في القتل والتشريد كما هو الحال في فلسطين الجريحة وسوريا، وبورما والعراق وغيرها من البلدان التي يشقى فيها المسلمين بسبب تسلط من يحمل في قلبه حسد قابيل وتبعية الشيطان. فلو كان قابيل محبا لله تعالى وقدم أفضل ما لديه في قربانه، لكان تقبل الله منه وتجنب وسوسة الشيطان بالحسد لأخيه الذي كان بمثابة البوابة التي دخل منها الشيطان إلى بني آدم من بعده.

مقام الحب مقام جليل في ديننا الحنيف، وهو المغيب، الذي يجب أن نعيد في أمره النظر، وأن نحياه بقلوبنا وفي سلوكنا، وأن نورثها الأجيال القادمة، مستدركين ما أحدثته الآلة الاستعمارية وأذناب المستعمر في تغيير المفاهيم العظمى للدين الحنيف.

لا نملك سلاحا أقوى من الحب:
سنة التدافع التي سنها الله تعالى في هذا الكون باقية إلى يوم القيامة، وامتلاك أسباب القوة ضرورية، للأمة بعد استعادة وحدتها لردع من ملكه الشيطان ويستعمله في إفساد الأرض والقتل والظلم ونشرا للكفر والإلحاد، تنفيذا لخطة حسده التي طلب الشيطان من الله أن يمهله من أجلها.

ولكن أقوى سلاح يمكن أن يستعمله المؤمنين أتباع هابيل هو سلاح الحب الذي يتمكن من القلوب السليمة، النقية التي حجب الشيطان عنها الحق بسبب من الأسباب. فرسول الله صلى الله عليهم وسلم كان منهجه في الدعوة منهج رحمة وحب، ولا أدل على ذلك من حديث ملك الجبال الذي جاءه طالبا الإذن من أجل الانتقام ممن أذوه وقذفوه بالحجارة حتى أدموه صلى الله عليه وسلم، إلا أنه قال صلى الله عليه وسلم:" لا، ولكن أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً" ولذا قال الله تعالى في حقه :" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". فنحن مطالبون بنهج منهج رسول الله في دعوة الناس لدين الله، وذلك تغييبا لحظوظ النفس التي تفسد الدين إن استخدمت.

فمقام الحب مقام جليل في ديننا الحنيف، وهو المغيب، الذي يجب أن نعيد في أمره النظر، وأن نحياه بقلوبنا وفي سلوكنا، وأن نورثها الأجيال القادمة، مستدركين ما أحدثته الآلة الاستعمارية وأذناب المستعمر في تغيير المفاهيم العظمى للدين الحنيف، وأبدلوها بمفاهيم العنف والخشونة وإلصاق لفظة الإرهاب التي مارسوها ويمارسونها في إبعاد الخلق عن الخالق، وتبغيضهم في دينه بسبب الفقه السطحي الذي ساد في بلادنا. تدين بلا روح كما قال الإمام ابن تيمية رحمه الله كتابه قاعدة في المحبة.

فدعونا نقاتل الناس بالحب، والبسمة وإفشاء السلام، لنجسد مفهوم الاستخلاف على النحو الذي يرضاه ربنا. ونكون بذلك حقا خلفاء الله في أرضه كما أراد سبحانه، لا أتباع الشيطان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة