محسن اعريوة
محسن اعريوة
769

الحُبّ في ظلّ العولمة

17/5/2017

القلوبُ لها مدّ وجزر، لكن لا ساحل لها! ولو رجعنا قليلاً إلى الوراء لرأينا أنّ حالات الحبّ والغرام قليلاً ما تتجاوز القبيلة أو المدينة.. بل قلّما نجدُ حبيبين التقيا فتحابّا من عواصم مُختلفة ودول متنائية. وذلك لبُعد الشُّقة بينهما وعدم توفّر وسائل النّقل وانعدام وسائل الاتصال.. حينها -رغم قرب المتحابّين- كان للّقيا معنى عميقاً، وللحديث قيمة مُثلى، وللصّورة الموشومة في الذّاكرة اشتياقاً جارفاً..

أما عند الافتراق، فقد كان الكلّ رسّاما بارعاً يقضي مُعظم ليله في الحرص الشديد على صقل ملامح وجه المحبوب بريشة الفؤاد على الفؤاد، وردّ رجع صدى الصوت في أذنه كأنّها أنغامٌ تَعزف على المسامع لحنَ الوجود والحلول... وكانوا يؤمنونَ مثلنا بأنّ الحبّ لا أرض تقيّده و لا سماء تحدّه، فحيثما انبلج الضياء على وجه البسيطة شعّ معه الحبّ وانبثق!

مسخت العولمة هذا المصطلح الدّيني النبيل، وحصرته في كلّ ما هو مادي فـانٍ، بعيداً عن الوجدان. وتمّ تحويره، وتفريغه من الجانب الرّوحي ليتوغّل في صنم الجسد المُتهالك.

أمّا الآن فقد حلّقت القلوب، وتنصلّت من لبوس التّقاليد والعادات، وانسلخت عن الواقع لتغرق في وحل الآلات الإلكترونية والمواقع التّواصليّة لتنسج علاقاتها بعيدا عن محيطها الذي تعيش فيه.. أصبح الكلّ يتذمّر من أسرته وأقربائه، فلا يحدّثهم ولا يناقشهم.. فتجد الرّجل يجلس وسط عائلته بجسده، لكن عقله في حقيقة الأمر هائمٌ تائهٌ في بلد آخر، وأضحينا نبتسمُ إلى الشّاشات أكثر مما نبتسم لبعضنا البعض...

لقد خطفتنا التّكنولوجيا من واقعنا وأسرنا، بل من أنفسنا كذلك، واخترقت العقول كما اخترقت الحدود. يُعتبرُ الحُبُّ في واقعنا بمثابة النافذة التي تطل على العالم، والآلة التي استطاعت أن تجمع العقول المتنافرة على كلمة سواء، رغم اختلاف العقائد والأيديولوجيات والإثنيات واللّغات.. فهو إقليدُ الحدود المرتسمة على القارات، والسّفينة التي تطفو بالإنسان برفق إلى مرافئ السلام وبرّ الأمان..

إنّ هذا الشّعور الإنسانيّ العميق من مقدوره أن يلملم شعث الإنسانية التي ظلّت تتطاحن فيما بينهما طيلة هذه العصور، بل استطاع أن يكون رمزاً للسلام وعصبةً أمميةً متحدة بدون بنود أو قوانين مسطورة على الأوراق لا وجود لها على أرض الواقع المعيش! فـالحب عَبَرَ القارات وتجاوز الحدود والإمارات.. أصبح لا ينحصر في العرق أو الدين أو الطائفة بشكل رهيب؛ فتجد العربيّ يحب أعجمية أو العكس، وتصطدم بمتديّن يعشق لا دينية، ومؤمن متزوّج بملحدة... إنّ هذا التّمرّد للمشاعر والأحاسيس على كلّ ما تعارفت عليه القبائل والعشائر والأديان على مرّ السّنين... أضفى على الحبّ صبغةَ العالَمية، وأصبح الحزب الوحيد الذي تنتمي إليه الإنسانيّة جمعاء.

إلا أن مصطلح الحب وممارسته يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، بل أحياناً تجد له حمولة دينية محضة كما هو الشّأن في الإسلام "حب الله"، "حب الرسول"، "حب الوالدين والأهل" "حبّ الزوجة والأولاد"... والعولمة قد مسخت هذا المصطلح الدّيني النبيل، وحصرته في كلّ ما هو مادي فـانٍ، بعيداً عن الوجدان. وتمّ تحويره، وتفريغه من الجانب الرّوحي ليتوغّل في صنم الجسد المُتهالك، وإحداث وثنية جديدة لها معابدها وكهنتها وطقوسها!

إنَّ هشاشة المشاعر في الواقع القاهر تجعل من مواقع التّواصل الاجتماعي ملاذا لفقراء الأحاسيس، وإلهاً منجيا من سطوة اللامبالاة وقهر الفراغ وسلطة عدم الاكتراث... فيتمّ الانكباب عليها لإشباع رغبة العواطف، والحلول فيها بدون شعور كأنّها مخدّر مُدوِّخ يُنسي مرارة الواقع.

كيف استطاعت مواقع التّواصل الاجتماعي أن تحيدَ عن غرضها الأساس؛ الذي هو مراقبة الأفكار والتّحكّم في دهاليز العقل البشري والسيطرة عليه عن بعد، وقيادته إلى حيثُ تشاء وتغذيته بما تشاء، واستهلاك الوقت للناس؛ الذي يعتبر ركناً ركيناً لبناء صرح الحضارة.. كيف لهذه المواقع الالكترونية المتدفّقة أن تكون آلةً للتّزاوج ووسيلةً لبناء الأسر وتشييد العلاقات الاجتماعية، وأداةً فاعلةً للتّثقيف والتّوعية.

إنّ هذا الشّعور الإنسانيّ العميق من مقدوره أن يلملم شعث الإنسانية التي ظلّت تتطاحن فيما بينهما طيلة هذه العصور، بل استطاع أن يكون رمزاً للسلام وعصبةً أمميةً متحدة بدون بنود أو قوانين مسطورة.

فالصّورة المثاليّة التي يحاولُ الغرب رسمها وترسيخها في العقل العربيّ المسلم من خلال أفلامهم الخيالية، ومسلسلاتهم المدبلجة، ورواياتهم المُترجمة، هيَ أبعد ما تكون من الواقع ولا تمتُّ له بأيّ صلة. كي يبقى الفرد العربيّ المقهور متذمّرا ساخطاً على بلده، يرى دائماً في الآخر رمزاً يُقتدى به، والأنموذج الذي يُحتذى به...

وللأسف الشديد، فالإعلام المحلّي العربي يساهمُ في نسخ أقوالهم وأفعالهم، والتشجيع على أساليب عيشهم بدون مراعاة خصوصياتنا، وكذا مسخ الأصول الدّينية والثّقافية للأمّة، ذلك لكونها بعيدة كلّ البُعد عن مقاصد الإسلام في تكوين الأسرة الرّصينة المُتماسكة التي يسود فيها الاحترام، والمجتمع الرّزين الثّابت.. لما فيها من الأفكار المُبتَسَرة، واللّقطات الخليعة، والكلام النّابي، والتّسويق للملابس والسّلع والمفاهيم بطريقة غير مباشرة.. حتّى أضحى الإعلام السّلطة الوحيدة المتحكّمة في الرّقاب والأفكار، بل في المأكل والمشرب والعواطف.

إنّنا لم نكتف فقط باستيراد البضائع والسلع من الغرب، وإنّما أدت بنا العولمة إلى اقتراض الأفكار واقتباس المناهج، واستنساخ الثقافات، وإن كانت لا تتوافق ورؤيتنا الحضارية وتصوّرنا الإسلامي. وانتقلنا من عولمة السّلع والاقتصاد إلى ترويج المذاهب وتسويق الثقافات وتبضيع المعارف والأفكار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة