محمد نبيل
محمد نبيل
1.3 k

قل احتلال! ولا تقل استعمار!

24/5/2017
حقيقةً، إني أرى في الأمر جريمةً في حق أنفسنا - نحن العرب - أكثر من كونه خطأً لغوياً في منتهى السذاجة والفداحة في ذات الوقت، ولكنه - مع الأسف الشديد - خطأٌ شائع الاستخدام ضمن مفردات لغتنا العربية بصورةٍ تؤرقني وتستفزني منذ زمن؛ حتى دفعني كي أكتب عنه في محاولةٍ لتصحيحه (من وجهة نظري).
 
فالشائع بالخطأ هو استخدام كلمة (استعمار) للدلالة على استيلاء العدو - وبخاصةٍ الغرب الأوروبي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين - على أراضينا العربية والإسلامية بالقوة في فترة سُباتٍ كانت من أشد حِقَبِ تاريخنا ظلامًا. هذا على الرغم من أن كلمة استعمار لها مدلولٌ لغوي طيب للغاية.

هل هذا المصطلح أحد ما تم تصديره إلينا على مدى عقودٍ امتدت منذ بدء الحملات الغربية المنظمة لاحتلال بلادنا عسكريًا، من أجل التمهيد لاستمرار سطوة الغرب.
فالاستعمار لغةً يعني: طلب الإعمار أو العمران... استعمره في المكان؛ أي جعله يعمره... استعمر الأرض: عمّرها، أي أمدها بما تحتاج إليه من الأيدي العاملة لتصلح وتعمُر... استعمر اللهُ عبادَه في الأرض، أي جعلهم ساكنيها و عُمّارًا لها. يقول تعالى: "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا" من الآية 61 - سورة هود.

و كل هذا لا يعني سوى أن كلمة استعمار لا تعبّر إلا عن معنى طيب في منتهى الرُّقيّ، يتنافى تمامًا مع المعنى البغيض الذي نقصده للدلالة على الاغتصاب أو الاستيلاء على الأرض بالقوة. وعلى النقيض من ذلك، نجد معنى كلمة (احتلال) هو: استيلاء دولةٍ ما على أراضي دولة أخرى أو جزءٍ منها قهرًا أو بالقوة؛ لذا فهو - باللغة والمنطق - اللفظ المناسب للتعبير عن هذه الحالة.

وقد حاولتُ الاجتهاد في البحث عن السِّر وراء شيوع استخدامنا للفظ (استعمار) بدلاً من (احتلال) متسائلاً: هل هذا أحد ما تم تصديره إلينا على مدى عقودٍ امتدت منذ بدء الحملات الغربية المنظمة لاحتلال بلادنا عسكريًا، من أجل التمهيد لاستمرار سطوة الغرب من خلال نجاحه في السيطرة على أدمغة الجماهير من شعبنا العربي فكريً وثقافيًا؟

وهو ما نعايشه بالفعل مع الكثيرين من أبناء الوطن الذين لم يبرحوا عاكفين على تمجيد الغرب وتبجيل ثقافتهم، وتبنّيها باعتبارها الركن لعملية التنوير المنشود دون التمييز - في غالب الأحيان - بين الغث منه والثمين.

وهل قَصَدَ المُحتل نشر كلمة (استعمار) في ثقافتنا بهذا المفهوم المغلوط السائد لتخفيف وطأة جريمته، ومن ثَمَّ تسهيل اختراق العقل الجمعي الباطن، والتسلل إلى داخل أعماق أصحاب العقول البسيطة، وهو ما تعترضنا مظاهره كثيرًا حينما يقع أولئك في شَرَكِ المقارنة بين أوضاعهم المتردية الحالية وبين (عِزِّ) أيام الاحتلال على حدِّ قول البعض؟

الاستعمار لغةً يعني: طلب الإعمار أو العمران... استعمره في المكان؛ أي جعله يعمره... استعمر الأرض: عمّرها، أي أمدها بما تحتاج إليه من الأيدي العاملة لتصلح وتعمُر.
ومنه ما أسمعه كثيرًا من بعض أولئك السُّذَج: "كان حالنا أيام الاستعمار أحسن"، "يا ليت الاستعمار يعود من جديد لينتشلنا مما نحن فيه"، "لقد عمَّروا البلد قبل أن يخرجوا منها"، وما إلى ذلك من كلماتٍ بقدر ما هي مُحزنة، إلا أنها تنُمُّ عن خواءٍ خطير لم يفلح أو لم يسعَ معظم من أمسكوا بزمام الأمور بعد زوال الاحتلال العسكري في ملئه. ربما كان ذلك صحيحًا بصورةٍ أو بأخرى، وهو الأرجح عندي.

عمومًا أيًا كان أصل التسمية وسبب انتشار استخدامها؛ فإني أرى أنه من العيب كل العيب ألا ننتبه لهذا الخطأ أو أن نستمر في استخدام لفظٍ ذي مدلولٍ طيبٍ للدلالة على جريمةٍ إنسانيةٍ وأخلاقيةٍ كتلك.

لذا؛ فإني أهيب بكُتّابنا وأدبائنا وإعلاميينا العرب بضرورة إعادة استخدام الكلمتين (استعمار، و احتلال) في موضعيهما الذي ينبغي أن يكون، والذي يتفق مع مدلولهما اللغوي السليم. أو كما يقولون: احكيها صح!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة