إبراهيم عبد القادر
إبراهيم عبد القادر
1.1 k

أسئلة الإلحاد

26/5/2017
الكلام عن أي فكرة، دون الإيمان بوجودها ولها جمهورها، غير صحّي، ولن يوصل لأي نتيجة، وهي كذلك فكرة (الإلحاد)، حينما نتكلم عنها، ونبحث حولها وفيها، يجب علينا أن نعترف، قبل كل شيء، أن هذه الفكرة أصبحت تفرض نفسها وجوديًا في مجتمعاتنا، ولها جمهور يزداد يومًا بعد يوم، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تستقيم الحوارات طالما وهناك تحيّز لأي أفكار وهمية تخرجنا عن الواقع الذي يعيشه الناس!

لن ننجح في توصيف الفكرة (الإلحادية) وتشخيصها بدقة وموضوعية، في سعينا لإنجاز العلاج الصحيح، إلّا إذا جعلنا في نصب أعيننا أنها اليوم تشكّل معادلة ورقم، وبعيدّا عن الأحكام المسبقة في التعامل مع هذه الظاهرة، والسطحية في التعامل معها، باعتبار أن صاحبها ينفّذ أجندات، أو يبحث عن الشهرة، كل هذه تذهب بعيدًا عن الفكرة، التي لا نريد مواجهتها بعدل، حتى لا تتبين نقاط ضعفنا، التي لا حصر لها!

لم يعد جيل اليوم يتوقف عند الأحكام المجحفة تجاه ما يدور في عقله من أسئلة لم يجد لها جواب شافي، يتعامل مع تلك الأساليب أنها تخلق حاجز بينه وبين الآخر، وتساعده في البقاء بداخل حول ما يقتنع به من أفكار، باعتبار تلك الأفكار هي التي ستوصله للطريق الصحيح، وكل شيء يحول بينه وبين الحوار والنقاش تجعل الفجوة تتّسع، وتتعقّد المسألة حتى لا حل لها بعد ذلك، وتعزله عن المجتمع، الذي يقف له بالمرصاد، إن هو قرر مشاركتهم ما يؤمن به من أفكار، إلى أن ينفجر، وحينها لا يوقفه شيء!

منحت ثورات الربيع العربي للشباب مجالا لحرية حقيقية مارسوها، فما لبثت أن انطفأت، لكنها لم تمت، فظهور موجة الإلحاد اليوم، سيصبح لها ثقل اجتماعي يفرض نفسه.
الفكرة الطارئة، لا تأتي إلّا حينما تُصادر الأسرة حق أبنائها في السؤال، الاستيعاب بمفهومه الواسع، لو أنه أسلوب واقعي يستخدمه الدعاة والمشايخ، وكل منهم في السلك الديني، لما وصلنا لهذا الانحدار الخطير، ولما أصبحنا نتحدث عن "الإلحاد"، لكن الجحود والغرور أعمى المتصدرين اليوم للكلام باسم الدين، وحصروا الفهم عن الشرع والدين في ذواتهم، حتى إن سأل أحدهم سؤالًا بحضرتهم، هاجموه، ووصفوه بالانحراف، ما لم يلزم السمع والطاعة، وتلك أساليب تُختزل، حتى لا يتم تهميشهم، وتجاوزهم!

هل جرب أحدكم أن يبحث في (Google) عن الإلحاد بشكله الواسع؟ بحثت في محاولة مني أن أجد بحثًا منطقيًا، أو مقالة تتحدث عن هذا الموضوع الهام، فلم أجد، وجدت النسبة الأكبر، لمجموعة كبيرة من الناس، تهاجم الملحد، وأخرى تفسّقه وتكفّره، وأفضلهم وصف هذه الظاهرة بأنها غزوًا فكريًا للقضاء على الإسلام والمسلمين، وعلى الطريق محتسبون يتبرعون بجهدهم ووقتهم للتحذير من هؤلاء العملاء والخونة وبأبشع الألفاظ والصفات، كل هذه العينات بالفعل هي واقعنا المعاش، لا يمكن للمثالية أن تحضر في هذه القضية، لا مجال للسؤال أو الحديث مع من قرر أن يسأل ويبحث عن الله والنبي ودينهما، فمصيره بالطبع معروف، دون عناء!

هل يمكن لمن يتصدر الدين اليوم أن يمتلك شجاعة المراجعة الحقيقية لكثير من قضايا الدين؟ التي تحتكم للاجتهاد وفق زماننا الذي نعيشه؟ لا أحد مستعد، هذه الطريقة ستصادر الهالة والقداسة عنهم، المراجعات حالة متقدمة، وهم متأخرون، لكنها ستتيح المجال للصغار أن يتصدروا ويقولون ويتحدثون، أما هم، (الكبار)، فهم في منأى عن هذه الترهات، كل هذه المعطيات تثبت أننا نتجاوز المشكلات دائما، ومشكلة الإلحاد أبرزها، لعجزنا عن حلها، أو لأننا لا نريد مواجهتها، أرقام الملاحدة اليوم تتسع وتنمو، ولا أحد يريد أن يعترف بذلك، والسبب الأبرز لاتساع رقعة الإلحاد هو، فشل الخطاب الديني الذي يتعارض مع مبدأ القرآن؛ (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..)، الذي هو حرية الاعتقاد، كحق أصيل كفله الدين، الخطاب الديني اليوم، لم يتناول الإلحاد إلا على طريقة التحريض والتحذير والتهديد والوعيد، وأشجعهم اعتقد أنها مجرد طفرة وستختفي، وهم يعرفون أنهم فشلوا في العلاج، لأنهم في الحقيقة السبب والداء!

موجة الإلحاد اليوم، هي نتيجة بحثية، وأخرى شكوك، وبعضها حالات نفسية، وكثير منها ردة فعل طبيعية لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي مدمر.
منحت ثورات الربيع العربي للشباب مجالا لحرية حقيقية مارسوها، فما لبثت أن انطفأت، لكنها لم تمت، فظهور موجة الإلحاد اليوم، سيصبح لها ثقل اجتماعي يفرض نفسه، لم يتوقفوا لمجرد أن هناك من يشيطنهم ويعمل على تهميشهم بالتحذير والتفسيق، لم يتوقف الناس اليوم عن كبت أفكارهم، فقد منحت مواقع التواصل الاجتماعي الشباب مجال لمشاركة الآخرين أفكارهم، وللتنفيس عما يؤمنون به، ولم تعد البشر بحاجة للفهم عن فلان، فقد مهدت الطفرة التكنولوجية الطريق، وأصبحت أحد وسائل البحث والمعرفة، فمن يمنع الناس عن السؤال، هو لا أكثر يُهمل نفسه!

هذا ليس تسويقًا للإلحاد، فهو فكرة، كأي فكرة تقبل النقاش والأخذ والرد، إنما من يسوق لها هي الأفكار الرخوة، التي يتبناها كثير من مشايخ الدين، وتلك نقاط ضعف كبيرة، فكيف يقبل فرد أن يَسوق للناس فكرة دينية عمرها 1400 عام؟ هذا ليس استنقاصًا منها، إنما أرى أنها تتعارض اليوم مع عصرنا الذي نعيشه، وتلك أفكار لها ظروفها الزمانية والمكانية، وبما أن ظروفنا تختلف بالمطلق عنها، فمن البديهي والطبيعي أن تتغير وفقا له، وكل هذا لأجل الفكرة نفسها، تريد نجاحا لفكرة ما؟ سوّقها وقدمها للناس بما لا يخرج عن إطار واقعهم، هذا اسلوب جديد ومبتكر وسهل، ويقدم الفكرة الدينية بصورة حضارية مشرقة، وتجذب الناس ولا تنفّرهم، فكيف تقول أن الدين حضارة وتاريخ وأنت حبيس الماضي وتحكمك ظروفه؟؟

موجة الإلحاد اليوم، هي نتيجة بحثية، وأخرى شكوك، وبعضها حالات نفسية، وكثير منها ردة فعل طبيعية لواقع سياسي واجتماعي واقتصادي مدمر، ولو أن هناك من يستوعب هذه الحالات بصدق وإيمان حقيقي، وتعامل مع "أسئلة الإلحاد" باعتبارها حالة صحية للوصول لنتائج مرضية، لكنا في وضع مختلف، ولأصبح نقاشنا مختلفا، عن كيفية تعميق العقيدة بالله في وجدان المؤمنين، لا عن نكرانه، والتمرّد عليه!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة